منتــــــــــــــــــدى الســـــــــــــــــريحة
الاخوة الاعضاء الوزوار
منتديات السريحة ترحب بكم وتتمنى لكم قضاء اسعد الاوقات من خلال منتداها العامر
منتــــــــــــــــــدى الســـــــــــــــــريحة
الاخوة الاعضاء الوزوار
منتديات السريحة ترحب بكم وتتمنى لكم قضاء اسعد الاوقات من خلال منتداها العامر
منتــــــــــــــــــدى الســـــــــــــــــريحة
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتــــــــــــــــــدى الســـــــــــــــــريحة

منتدى السريحة لجميع اهل السريحة ومن يحبها
 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

نرجو من الاخوة الاعضاء التوجه للموقع الجديد للمنتدى www.alseriha.com

المواضيع الأخيرة
» حنين شدني اليك
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين فبراير 23 2015, 14:08 من طرف هاوى القمر

» دعوة لإزالة الأسماء المستعارة
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين ديسمبر 29 2014, 05:52 من طرف محمد العبد حبيب الله محمد

» اهلا بيكم
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة ديسمبر 13 2013, 17:49 من طرف jooazrag

» اشهر الدبلومات العالميه التى تؤهللك للعمل بوظائف مميزه
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين سبتمبر 30 2013, 15:57 من طرف iecs-ra

» مفاجاه لكل من يرغب العمل فى مجال التسويق
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين سبتمبر 30 2013, 15:32 من طرف iecs-ra

» فرصه لتعلم اشهر النظم العالميه فى عالم السياحه و الطيران
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين سبتمبر 30 2013, 15:19 من طرف iecs-ra

» اجمل دمعة في حياة الانسان
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين أكتوبر 04 2010, 10:33 من طرف فكري عصام

» تحية وسلام وشكر وعرفان بالجميل
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين أبريل 05 2010, 10:03 من طرف ابو تسنيم

» بـــــــــــــ ورجعنا لعيونكم ـــــــــــــــــــاك
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس ديسمبر 03 2009, 05:39 من طرف طبي

» الأخ العزيز / هـشام مبارك ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس نوفمبر 05 2009, 08:26 من طرف زائر

» الأح العزيز / محمد بساطي ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالثلاثاء نوفمبر 03 2009, 08:18 من طرف زائر

» إلى المدير و المراقب العام ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أكتوبر 30 2009, 17:06 من طرف زائر

» لماذا كل هـذا التجاهـل ؟؟؟
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالأحد سبتمبر 27 2009, 09:27 من طرف زائر

» رجاء ... رجاء خاص ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالسبت سبتمبر 26 2009, 20:07 من طرف زائر

» رسالة إلى : الإدارة ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس يوليو 23 2009, 11:04 من طرف زائر

» رسالة للأخ الشيخ / هـشام مبارك ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس يوليو 23 2009, 11:00 من طرف زائر

» تأملات في المنتدى الجديد ...
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالإثنين يوليو 20 2009, 10:07 من طرف زائر

» هيا بنا يا ال السريحة
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالثلاثاء يوليو 07 2009, 20:09 من طرف البشير ودالنعيم

» النيل أبو قـرون ... في ميزان الجرح و التعديل .
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة يوليو 03 2009, 19:15 من طرف البشير ودالنعيم

» من نحن ومن هم
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس يوليو 02 2009, 07:53 من طرف البشير ودالنعيم

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
ناندا
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
Admin
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
abu Jasim
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
هشام السريحه
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
هشام مبارك عبد الرحمن
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
الهدهد
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
حاتم سقراط
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
ودعجيب
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
ريال مدريد
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 
ابو سلطان يقول سلام
كتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_rcapكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_voting_barكتـاب لاتحزن - صفحة 2 I_vote_lcap 

 

 كتـاب لاتحزن

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:24

« يا ذا الجلالِ والإكرامِ »

صحَّ عنه  أنهُ قال : « ألظُّوا بيا ذا الجلالِ والإكرامِ » . أي الزموها ، وأكثرُوا منها ، وداوموا عليها ، ومثلُها وأعظمْ : يا حيُّ يا قيومْ . وقيل : إنه الاسمُ الأعظمُ لربِّ العالمين الذين إذا دُعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى . فما للعبدِ إلا أنْ يهتف بها وينادي ويستغيث ويدمن عليها ، ليرى الفرَجَ والظفرَ والفلاحَ : ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ .
في حياةِ المسلمِ ثلاثةُ أيامٍ كأنها أعيادٌ :
يومٌ يؤدّي فيه الفرائض جماعةً ، ويسْلمُ من المعاصي: ﴿ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم ﴾ .
ويومٌ يتوبُ فيه من ذنبِهِ ، وينخلعُ من معصيتِهِ ، ويعودُ إلى ربِهِ : ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾.
ويومٌ يلقى فيه ربِّه على خاتمةٍ حسنةٍ وعملٍ مبرورٍ : ((مَنْ أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءهُ )) .
وبشّرتُ آمالي بشخصٍ هو الورى
ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هو الدهرُ


قرأتُ سِير الصحابة – رضوانُ اللهِ عليهم - ، فوجدتُ في حياتِهمْ خمس مسائل تميزُهم عنْ غيرِهمْ :
الأولى : اليُسْرُ في حياتِهِمْ ، والسهولةُ وعدم التكلُّف ، وأخذ الأمور ببساطة ، وترك التنطع والتعمُّق والتشديد : ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ .
الثانيةَ : أن عِلْمهم غزيرٌ مباركٌ متصلٌ بالعملِ ، لا فضولَ فيه ولا حواشي ، ولا كثرة كلامٍ ، ولا رغوة أو تعقيد : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾ .
الثالثةَ : أنَّ أعمال القلوبِ لديهمْ أعظمُ من أعمالِ الأبدانِ ، فعندهُمُ الإخلاصُ والإنابُةُ والتوكلُ والمحبةُ والرغبةُ والرهبةُ والخشْيةُ ونحوُها ، بينما أمورُهم ميسَّرةٌ في نوافلِ الصلاةِ والصيامِ ، حتى إن بعض التابعين أكثرُ اجتهاداً منهمْ في النوافلِ الظاهرةِ : ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .
الرابعة : تقلُّلهمْ من الدنيا ومتاعِها ، وتخفُّفُهم منها ، والإعراضُ عن بهارجها وزخارفِها ، مما أكسبهم راحةً وسعادةً وطمأنينةً وسكينةً : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .
الخامسة : تغليبُ الجهادِ على غيرِه من الأعمالِ الصالحةِ ، حتى صار سِمةً لهمْ ، ومعْلماً وشعاراً . وبالجهادِ قضوْا على همومِهم وغمومِهم وأحزانِهمْ ، لأنَّ فيه ذكراً وعملاً وبذلاً وحركةً .
فالمجاهدُ في سبيل اللهِ منْ أسعدِ الناسِ حالاً ، وأشرحِهم صدْراً وأطيبهِم نفساً : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
في القرآن حقائقُ وسُننٌ لا تزولُ ولا تحولُ ، أذكرُ ما يتعلقُ منها بسعادةِ العبدِ وراحةِ بالِهِ ، منْ هذِهِ السُّننِ الثابتةِ :
أنَّ منِ استنصر باللهِ نَصَرَهُ : ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ . ومنْ سألهُ أجابهُ : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ . ومن استغفره غَفَرَ له : ﴿ فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ﴾ . ومنْ تاب إليه قبل منه : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ . ومنْ توكَّل عليهِ كفاهُ : ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ .
وأنَّ ثلاثةً يعجِّلُها اللهُ لأهلِها بنكالِها وجزائها : البغيُ : ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾ ، والنكثُ : ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ ، والمكرُ : ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ . وأنَّ الظالم لنْ يفلت من قبضةِ اللهِ : ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ﴾ . وأنَّ ثمرة العملِ الصالحِ عاجلةٌ وآجلةٌ ، لأنَّ الله غفورٌ شكورٌ : ﴿ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾ ، وأن من أطاعه أحبَّه : ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ﴾ . فإذا عَرَفَ العبدُ ذلك سعد وسُرَّ ، لأنه يتعاملُ مع ربٍّ يرزقُ ويَنْصُرُ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ﴾ ، ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾ ، ويغفرُ : ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ﴾ ، ويتوبُ : ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ ، وينتقمُ لأوليائه منْ أعدائِهِ : ﴿ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ ، فسبحانه ما أكملهُ وأجلًّهُ : ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ ؟! .
للشيخِ عبدِالرحمنِ بنِ سعديٍّ – رحمهُ اللهُ – رسالةٌ قيِّمةٌ اسمُها ( الوسائلُ المفيدةُ في الحياةِ السعيدةِ ) ، ذكر فيها : « إنَّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ ينظر العبدُ إلى نعمِ اللهِ عليه ، فسوف يرى أنهُ يفوقُ بها أمماً من الناسِ لا تُحْصى ، حينها يستشعرُ العبدُ فضل اللهِ عليه » .
أقولُ : حتى في الأمورِ الدينيَّةِ مع تقصيرٍ العبدِ ، يجُد انه أعلى منْ فئامٍ من الناسِ في المحافظةِ على الصلاةِ جماعةً ، وقراءةِ القرآن والذكرِ ونحْو ذلك ، وهذه نعمةٌ جليلةٌ لا تُقدَّرُ بثمنٍ : ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ .
وقدْ ذكر الذهبيُّ عن المحدِّثِ الكبيرِ ابنِ عبدِ الباقي انه : استعرض الناس بعد خروجِهم من جامعِ ( دارِ السلامِ ) ببغداد ، فما وَجَدَ أحداً منهمُ يتمنَّى أنه مكانه وفي مسلاخه .
ولهذِهِ الكلمةِ جانبٌ إيجابيٌّ وسلبيٌّ : ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ .
كلُّ هذا الخلْقِ غِرٌّ وأنا
منهمُ فاتركْ تفاصيل الجُمَلْ


****************************************
وقفـــةٌ

عن أسماء بنتِ عُميْسٍ – رضي اللهُ عنها – قالتْ : قال لي رسولُ الله  :
(( ألا أُعلِّمكِ كلماتٍ تقولِينهُن عند الكرْبِ . أو في الكرْبِ . ؟ : اللهُ اللهُ ربِّي لا أُشركُ به شيئاً )) .
وفي لفظٍ : (( منْ أصابهُ همٌّ أو غمٌّ أو سقمٌ أو شِدَّةٌ ، فقال : اللهُ ربي ، لا شريك له . كُشِف ذلك عنه )) .
« هناك أمورٌ مظلمةٌ تورِدُ على القلبِ سحائب متراكماتٍ مظلمةً ، فإذا فرَّ إلى ربِّهِ ، وسلّم أمره إليهِ ، وألقى نفسهُ بين يديهِ مِنْ غيرِ شرِكةِ أحدٍ من الخلقِ ، كشَفَ عنه ذلك ، فأمَّا منْ قال ذلك بقلبٍ غافلٍ لاهٍ ، فهيهات » .
قال الشاعرُ :
وما نبالي إذا أرواحٌنا سلِمتْ

بما فقدناهُ مِنْ مالٍ ومِنْ نَشَبِ

فالمالُ مكتسبٌ والعِزُّ مُرْتجعٌ

إذا النفوسُ وقاها اللهُ مِنْ عَطَبِ

**********************************
مَن خاف حاسداً

1. المعوِّذاتُ مع الأذكارِ والدعاءِ عموماً : ﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ .
2. كِتمانُ أمرِك عنِ الحاسِدِ : ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ﴾ .
3. الابتعادُ عنه : ﴿ وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ .
4. الإحسانُ إليه لِكفِّ أذاهُ : ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .
************************************
حسِّنْ خلُقكَ

حُسْنُ الخُلُقِ يُمْنٌ وسعادةٌ ، وسُوءُ الخُلُقِ شُؤمٌ وشقاءٌ .
(( إن المرء لَيبْلغ بحسنِ خلُقِهِ درجةَ الصائمِ القائمِ)) . ((ألا أُنبِّئُكم بأحبِّكمُ وأقربِكُمْ منِّي مجلساً يوم القيامةِ ؟! أحاسنُكمْ أخلاقاُ)) . ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾. ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ . ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ .
وتقولُ أمُّ المؤمنين عائشةُ بنتُ الصديق – رضي الله عنهما – في وصفها المعصوم عليه صلاةُ ربي وسلامُه : (( كان خُلُقُهُ القُران )) .
إن سَعَةَ الخُلُق وبَسْطَهَ الخاطرِ : نعيمٌ عاجلٌ وسرورٌ حاضرٌ لمن أراد به اللهُ خيْراً ، وإنَّ سرعة الانفعالِ والحِدَّةِ وثورة الغضبِ : نَكَدٌ مستمرٌّ وعذابٌ مقيمٌ .
*************************************
دواءُ الأرقِ

ماذا يفعلُ منْ أُصيب بالأرقِ ؟
الأرقُ تعسُّرُ النومِ ، والتململُ على الفراشِ .
1. الأذكارُ الشرعيَّةُ : ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ .
2. هَجْرُ النومِ بالنهارِ إلا لحاجةٍ ماسَّةٍ :﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ .
3. القراءةُ والكتابةُ حتى النومِ : ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ .
4. إتعابُ الجسمِ بالعملِ النافعِ نهاراً : ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً ﴾ .
5. التقليلُ منْ شربِ المنبِّهاتِ كالقهوةِ والشايِ .
شكوْنا إلى أحبابِنا طول ليلِنا

فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا

وذاك بأنَّ النوم يُغشِي عيونهم

يقيناً ولا يُغشِي لنا النومُ أعْينا

مرارةُ الذنبِ تنافي حلاوة الطاعةِ ، وبشاشة الإيمانِ ، ومذاق السعادةِ .
يقولُ ابنُ تيمية : المعاصي تمنعُ القلبَ منَ الجولانِ في فضاءِ التوحيدِ : ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ .
************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:25

عواقب المعاصي

1. حجابٌ بين العبدِ وربِّه : ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ .
2. يُوحشُ المخلوق من الخالقِ : إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُه .
3. كآبةٌ دائمةٌ : ﴿ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ .
4. خوفٌ في القلبِ واضطرابٌ : ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ ﴾ .
5. نكدٌ في المعيشةِ : ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ .
6. قسوةٌ في القلبِ وظلمةٌ : ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .
7. سوادٌ في الوجهِ وعبوسٌ : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم ﴾ .
8. بغضٌ في قلوبِ الخلْقِ : (( أنتم شهداءُ اللهِ في أرضِهِ )) .
9. ضيقٌ في الرزقِ : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ .
10. غضبُ الرحمنِ ، ونقْصُ الإيمانِ ، وحلولُ المصائبِ والأحزانِ : ﴿ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ .﴿ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ . ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ .
**************************************

اطلبِ الرزق ولا تحرِصْ

الدودةُ في الطِّينِ يرزقُها ربُّ العالمين: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾.
الطيورُ في الوكورِ يطعمُها الغفورُ الشكورُ : (( كما يرزقُ الطيرَ ، تغدو خِماصاً وتروحُ بِطاناً )) .
السمكُ في الماءِ يرزقُه ربُّ الأرضِ والسماء : ﴿ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ .
وأنت أزكى من الدودةِ والطيرِ والسمكِ ، فلا تحزنْ على رزقِك .
عرفتُ أناساً ما أصابُهُمُ الفقرَ والكدرُ وضيقُ الصدر إلا بسببِ بعدِهم عن اللهِ عزَّ وجلَّ ، فتجدُ أحدهم كان غنيّاً ، ورزقُه واسعٌ وهو في عافيةٍ منْ ربِّهِ وفي خيرٍ منْ مولاه ، فأعرض عن طاعةِ اللهِ ، وتهاون بالصلاةِ ، واقترف كبائر الذنوبِ ، فسلبَهَ ربُّه عافية بدنِهِ وسعة رزقِهِ ، وابتلاهُ بالفقْرِ والهمِّ والغمِّ ، فأصبح منْ نكدٍ إلى نكدٍ ، ومنْ بلاءٍ إلى بلاءٍ : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ . ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ . ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ . ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ﴾ .
أتبكي على ليلى وأنت قتلتها
هنيئاً مريئاً أيُّها القاتلُ الصَّبُّ

**************************************
﴿ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾
سرُّ الهدايةِ

ولنْ يهتدي للسعادةِ ولنْ يجدها ولنْ ينعم بها ، إلا منِ اتبع الصراط المستقيم الذي تركنا محمدٌ  على طرفِهِ ن وطرفُه الآخرُ في جناتِ النعيمِ : ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾.
فسعادةُ من لزم الصراط المستقيم أنهُ مطمئنٌّ لحسْنِ العاقبةِ ، واثقٌ منْ طيبِ المصيرِ ، ساكنٌ إلى موعودِ ربِّهِ ، راضٍ بقضاءِ مولاهُ ، مخبتٌ في سلوكِهِ هذا السبيلُ ، يعلمُ انَّ له هادياً يهديهِ على هذا الصراطِ ، وهو معصومٌ لا ينطقُ عن الهوى ، ولا يتبعُ منْ غوى ، قَوْلُهُ حجَّةٌ على الورى ، محفوظٌ منْ نزغاتِ الشيطانِ ، وعثراتِ القرانِ ، وسقطاتِ الإنسانِ : ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ﴾ .
وهذا العبدُ يجدُ السعادة في سلوكِهِ هذا الصراط ؛ لأنهُ يعلمُ أنَّ له إلهاً ، وأمامهُ أسوةً ، وبيدِهِ كتاباً ، وفي قلبِه نوراً ، وفي خلدِه ، واعظاً ، وهو ذاهبٌ إلى نعيمٍ ، وعاملٌ في طاعةٍ ، وساعٍ إلى خيرٍ : ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ .
أين ما يُدعى ظلاماً يا رفيق الدربِ أينْا
إنَّ نور اللهِ في قلبي وهذا ما أراهُ

وهما صراطان : معنويٌّ وحِسِّيٌّ ، فالمعنويٌّ : صراطُ الهدايةِ والإيمانِ ، والحسيُّ : الصراطُ على متْنِ جهنم ، فصراطُ الإيمانِ على متنِ الدنيا الفانيةِ له كلاليبٌ من الشهواتِ ، والصراطُ الأخرويُّ على متْنِ جهنم له كلاليبُ كشوكِ السعدانِ ، فمنْ تجاوز هذا الصراط بإيمانِهِ تجاوز ذاك الصراط على حسْبِ إيقانهِ ، وإذا اهتدى العبدُ إلى الصراطِ المستقيمِ زالتْ همومُه وغمومُه وأحزانُه .
*******************************************
عشرُ زهِراتٍ يقطفُها منْ أراد الحياة الطيبة

1. جلسةٌ في السَّحر للاستغفارِ : ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ﴾ .
2. وخلوةٌ للتفكُّرِ : ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ .
3. ومجالسةُ الصالحين : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ .
4. والذِّكْر : ﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ .
5. وركعتانِ بخشوعٍ : ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ .
6. وتلاوةٌ بتدبُّرٍ : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ .
7. وصيامُ يومٍ شديدِ الحرِّ : (( يدع طعامه وشرابه وشهواته منْ أجلي )) .
8. وصدقةٌ في خفاءٍ : (( حتى لا تعلم شمالهُ ما تنفقُ يمينُه )) .
9. وكشْفُ كربةٍ عنْ مسلمٍ : (( منْ فرَّج عنْ مسلمِ كربةً منْ كُربِ الدنيا فرَّج اللهُ عنه كربةً منْ كربِ يومِ القيامةِ )) .
10. وزهْدٌ في الفانيةِ : ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ .
تلك عشرةٌ كاملةٌ .
منْ شقاءِ ابنِ نوحٍ قولُه : ﴿ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء ﴾ . ولو أوى إلى ربِّ الأرضِ والسماءِ لكان أجلَّ وأعزَّ وأمنع .
ومن شقاءِ النمرودِ قولهُ : أنا أُحيي وأُميتُ . فتقمَّص ثوباً ليس له ، واغتصب صفةً لا تحلُّ له ، فُبِهِت وخسأ وخاب .
﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ .
مفتاحُ السعادةِ كلمةٌ ، وميراثُ الملَّةِ عبارةٌ ، ورايةُ الفلاحِ جملةٌ ، فالكلمةُ والعبارةُ والجملةُ هي : لا إله إلا اللهُ . محمدٌ رسولُ اللهِ  .
سعادةُ منْ نطقها في الأرضِ : أن يُقال لهُ في السماءِ : صدقْتَ : ﴿ وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ .
وسعادةُ منْ عمل بها : أنْ ينجو من الدمارِ والشَّنارِ والعارِ والنارِ : ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ .
وسعادةُ منْ دعا إليها : أنْ يٌعان ويُنْصَرَ ويُشْكَرَ : ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ .
وسعادةُ منْ أحبَّها : أنْ يُرفع ويُكرَمَ ويُعزَّ : ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
هتف بها بلالٌ الرقيقُ فأصبح حرّاً : ﴿ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ﴾ .
وتلعثم في نطقهاِ أبو لهبٍ الهاشميُّ ، فمات عبداً ذليلاً حقيراً : ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ .
إنها الإكسيِرُ الذي يحولِّ الركام البشريَّ الفاني إلى قممٍ لإيمانيةٍ ربانيةٍ طاهرةٍ : ﴿ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ .
لا تفرحْ بالدنيا إذا أعرضْت عنِ الآخرةِ ، فإنَّ العذاب الواصب في طريقِك ، والغلَّ والنَّكالُ ينتظرُك : ﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ{28} هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ﴾ . ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ .
ولا تفرحْ بالولدِ إذا أعرضت عن الواحدِ الصمدِ ، فإنَّ الإعراض عنه كلُّ الخذلانِ ، وغايةُ الخسرانِ ، ونهايةُ الهوانِ : ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ .
ولا تفرحْ بالأموالِ إذا أسأت الأعمال ، فإنَّ إساءة العمل محقٌ للخاتمةِ وتبابٌ في المصيرِ ، ولعنةٌ في الآخرةِ : ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى ﴾ ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
*************************************
وقفــةٌ

(( يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيثُ )) : في رفع هذا الدعاءِ مناسبةٌ بديعةٌ ، فإنَّ صفة الحياةِ متضمِّنةً لجميع صفاتِ الكمالِ ، مستلزمةٌ لها ، وصفةُ القيَّوميةُ متضمِّنةٌ لجميعِ صفاتِ الأفعالِ ، ولهذا كان اسمُ اللهِ الأعظمُ الذي إذا دُعِيَ به أجاب ، وإذا سُئل به أعطى : هو اسمُ الحيُّ القيومُ . والحياةُ التامَّة تضادُّ جميع الأسقامِ والآلام ؛ ولهذا لما كمُلتْ حياةُ أهلِ الجنةِ ، لمْ يلحقْهُمْ همُّ ولا غمٌّ ولا حَزَنٌ ولا شيءٌ من الآفاتِ . ونقصانُ الحياةِ تضرُّ بالأفعالِ ، وتنافي القيومية ، فكمالُ القيوميةِ لكمالِ الحياةِ ، فالحيُّ المطلقُ التامُّ الحياةِ لا تفوتُه صفةُ الكمالِ ألبتة ، والقيومُ لا يتعذَّرُ عليه فعْل ممكن ألبتة ، فالتوسلُ بصفةِ الحياةِ والقوميةِ له تأثيرٌ في إزالةِ ما يُضادُّ الحياةَ ويضرُّ بالأفعالِ .
قال الشاعرُ :
لعمْرُك ما المكروهُ منْ حيث تتَّقي

وتخشى ولا المحبوبُ من حيثُ تَطْمَعُ

وأكثرُ خوفِ الناسِ ليس بكائنِ

فما درْكُ الهمِّ الذي ليس ينفعُ


*************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:28

تعامَلْ معَ الأمرِ الواقعِ

إذا هوَّنت ما قدْ عزَّ هان ، وإذا أيسْت من الشيءِ سلتْ عنهُ نفسُك : ﴿ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ﴾ .
قرأتُ أنَّ رجلاً قفز منْ نافذةٍ وكان بأصبعِه اليسرى خاتم ، فنشب الخاتمُ بمسمارِ في النافذةِ ، ومع سقوطِ الرجلِ اقتلع المسارُ أصبعه من أصلها ، وبقي بأربعُ أصابع ، يقولُ عنْ نفسِهِ : لا أكادُ أتذكَّرُ أن لي أربعُ أصابع في يدٍ فحسبُ ، أو أنني فقدتُ أصبُعاً من أصابعِي إلا حينما أتذكرُ تلك الواقعةَ ، وإلا فعلمي على ما يرامُ ، ونفسي راضيةٌ بما حدث : (( قدّر اللهُ وما شاء فعل )) .
وأعرفُ رجلاً بُتِرتْ يدُه اليسرى من الكتِفِ لمرضٍ أصابهُ ، فعاش طويلاً وتزوَّج ، ورُزق بنين ، وهو يقودُ سيارتهُ بطلاقةٍ ، ويؤدي عمله بارتياحٍ ، وكأنَّ اللهِ لم يخلقْ له إلا يداً واحدةً : (( ارض بما قسم اللهُ لك ، تكنْ أغنى الناس )) .
ما أسرع ما نتكيَّف مع واقعِنا ، وما أعجب ما نتأقلمُ مع وضعِنا وحياتِنا ، قبل خمسين سنةً كان قاعُ البيتِ بساطاً منْ حصيرٍ النخلِ ، وقربة ماءٍ ، وقدراً منْ فخارٍ ، وقصعةً ، وجفنةً، وإبريقاً ، وقامتْ حياتُنا واستمرتْ معيشتُنا ، لأننا رضينا وسلَّمنا وتحاكمْنا إلى واقعِنا.
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتها
وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقْنعُ

وقعتْ قتنةٌ بين قبيلتينِ في الكوفةِ في المسجدِ الجامعِ ، فسلُّوا سيوفهم ، وامتشقوا رماحهم ، وهاجتْ الدائرةُ ، وكادتِ الجماجمُ تفارقُ الأجسادَ ، وانسلَّ أحدُ الناسِ من المسجدِ ليبحث عن المُصْلحِ الكبيرِ والرجلِ الحليمِ ، الأحنفِ بنِ قيسٍ ، فوجدهُ في بيتِه يِحلبُ غنمه ، عليه كساءٌ لا يساوي عشرة دراهم ، نحيلُ الجسمِ ، نحيفُ البنيةِ ، أحنفُ الرجلين ، فأخبروه الخبرَ فما اهتزتْ في جسمِهِ شعرةٌ ولا اضطرب ؛ لأنه قدِ اعتاد الكوارث ، وعاش الحوادث ، وقال لهم : خيراً إنْ شاء اللهُ ، ثم قُدِّم له إفطارُه وكأنْ لم يحدثْ شيءٌ ، فإذا إفطارهٌ كِسْرةٌ من الخبزِ اليابسِ ، وزيتٌ وملحٌ ، وكأسٌ من الماءِ ، فسمَّى وأكل ، ثمَّ حمدَ اللهَ ، وقال : بُرٌّ منْ بُرِّ العراق ، وزيتٌ من الشامِ ، مع ماءِ دجلة ، وملح مرو ، إنها لنعمٌ جليلةٌ . ثم لبس ثوبَهَ ، وأخذ عصاهُ ، ثم دلف على الجموعِ ، فلمّا رآه الناسُ اشرأبَّتْ إليه أعناقُهم ، وطفحتْ غليه عيونُهم ، وأنصتوا لما يقولُ ، فارتحل كلمة صُلْحٍ ، ثمَّ طلب من الناسِ التفرُّق ، فذهب كلُّ واحداً منهمْ لا يلوي على شيءٍ ، وهدأت الثائرةُ ، وماتتِ الفتنةُ .
قدْ يدركُ الشرف الفتى ورداؤُهُ
خَلَقٌ وجيْبُ قميصِه مَرْقوعُ

• في القصةِ دروسٌ ، منها :
أنَّ العظمة ليستْ بالأبهةِ والمظهرِ ، وأنَّ قلَّة الشيءِ ليستْ دليلاً على الشقاءِ ، وكذلك السعادةُ ليستْ بكثرةِ الأشياءِ والترفُّهِ : ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ{15} وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ .
وأنَّ المواهب والصفاتِ الساميةِ هي قيمةُ الإنسان ، لا ثوْبُهُ ولا نعلُهُ ولا قَصْرُهُ ولا دارُهُ ، إنها وزنهُ في علمهِ وكرمهِ وحلمهِ وعقلهِ : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ . وعلاقةُ هذا بموضوعِنا أن السعادة ليستْ في الثراءِ الفاحشِ ، ولا في القصْرِ المنيفِ ، ولا في الذهبِ والفضَّةِ ، ولكنَّ السعادةَ في القلبِ بإيمانهِ ، برضاهُ ، بأنسهِ ، بإشراقهِ : ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ .
عوِّدْ نفسك على التسليمِ بالقضاءِ والقدرِ ، ماذا تفعلُ إذا لمْ تؤمنْ بالقضاءِ والقدرِ ، هلْ تتخذُ في الأرضِ نفقاً أو سُلَّماً في السماءِ ، لنْ ينفعك ذلك ، ولنْ ينقذك من القضاءِ والقدرِ . إذنْ فما الحلّ ؟
الحلُّ : رضينا وسلَّمنا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.
منْ أعنفِ الأيام في حياتي ، ومن أفظعِ الأوقاتِ في عمري : تلك الساعةُ التي أخبرني فيها الطبيبُ المختصُّ ببترِ يد أخي محمدٍ – رحمه اللهُ – من الكتفِ ، ونزل الخبرُ على سمعي كالقذيفةِ ، وغالبتُ نفسي ، وثابتْ روحي إلى قولِ المولى : ﴿ َا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ ، وقولهِ : ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ .
كانتْ هذه الآياتُ برْداً وسلاماً وروْحاً وريْحاناً .
وليس لنا من حيلةٍ فنحتالُ ، إنما الحيلةُ في الإيمانِ والتسليمِ فَحَسْبُ ، ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾ ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ .
إن الخنساء النخعيةَ تُخبرُ في لحظةٍ واحدةِ بقتلِ أربعةِ أبناءٍ لها في سبيلِ اللهِ بالقادسيةِ ، فما كان منها إلا أنْ حمدتِ ربَّها ، وشكرتْ مولاها على حُسْن الصنيعِ ، ولطفِ الاختيارِ ، وحلولِ القضاءِ ؛ لأنَّ هناك معيناً من الإيمانِ ، ورافداً من اليقينِ لا ينقطعُ ، فمثلُها تشكرُ وتُؤجرُ وتسعدُ في الدنيا والآخرةِ ، وإذا لمْ تفعلْ هذا فما هو البديلُ إذنْ ؟! التسخُّطُ والتضجُّرُ والاعتراضُ والرفضُ ، ثم خسارةُ الدنيا والآخرةِ ! (( فمنْ رضي فلهُ الرَّضا ، ومنْ سخط فله السخطُ )) .
إن بلسم المصائبِ وعلاج الأزماتِ ، قولُنا : إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون .
والمعنى : كلُّنا للهِ ، فنحنُ خَلْقُه وفي ملكِهِ ، ونحنُ نعودُ إليهِ ، فالمبدأُ منه ، والمعادُ إليه ، والأمرُ بيدهِ ، فليس لنا من الأمرِ شيءٌ .
نفسي التي تملكُ الأشياء ذاهبةٌ
فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ،﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ .
لو فوجئت بخبرٍ صاعقِ باحتراقِ بيتِك ، أو موتِ ابنك ، أو ذهابِ مالك فماذا عساك أنْ تفعل ؟ من الآنِ وطِّنْ نفسك ، لا ينفعُ الهربُ ، لا يجدي الفرارُ والتملُّصُ من القضاء والقدر ، سلِّمْ بالأمرِ ، وارض بالقدرِ ، واعترفْ بالواقعِ ، واكتسبِ الأجر ، لأنه ليس أمامك إلا هذا . نعمْ هناك خيارٌ آخرُ ، ولكنه رديءٌ أحذِّرك منُه ، إنه : التبرُّمُ بما حَصَلَ والتضجُّرُ مما صار ، والثورةُ والغضبُ والهيجان ، ولكنْ تحصلُ على ماذا منْ هذا كلِّه ؟! إنك سوف تنالُ غضب الربِّ جلَّ في عليائِه ، ومقْت الناسِ ، وذهاب الأجْرِ ، وفادح الوزرِ ، ثمَّ لا يعودُ عليك المصاب ، ولا ترتفعُ عنك المصيبةُ ، ولا ينصرفُ عنك الأمرُ المحتومُ : ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ .
**************************************
ما تحزنُ لأجلِهِ سينتهي

فإنَّ الموتَ مقدمٌ على الكلِّ : الظالمِ والمظلومِ ، والقويِّ والضعيفِ ، والغنيِّ والفقيرِ ، فلست بِدعاً من الناسِ أنْ تموت ، فقبلك ماتتْ أممٌ وبعدك تموتُ أممٌ .
ذكر ابنُ بطوطة أنَّ في الشمالِ مقبرةً دُفن ألفُ ملِكٍ عليها لوحةٌ مكتوبٌ فيها :
وسلاطينُهم سلِ الطين عنهمُ
والرؤوسُ العظامُ صارتْ عظاماً

إنَّ الأمرَ المذهل في هذا : غفلةُ الإنسانِ عنْ هذا الفناءِ المداهمِ له صباح مساء ، وظنُّه أنهُ خالدٌ مخلَّدٌ منعَّمٌ ، وتغافلُه عن المصيرِ المحترمِ وتراخيه عن النهايةِ الحقَّةِ لكلِّ حيٍّ : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ ﴾ .
لما أهلك اللهُ الأمم ، وأباد الشعوب ، ودمَّرَ القُرى الظالمةَ وأهلها ، قال–عزَّ مِنْ قائل-: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ ؟! انتهى كلُّ شيءٍ عنهمْ إلا الخبرَ والحديث .
هل عندكمْ خبرٌ منْ أهلِ أندلسٍ
فقدْ مضى بحديثِ القومِ ركبانُ

************************************
وقفــةٌ

دعاء الكربِ : مشتمِلٌ على توحيدِ الإلهيةِ والربوبيةِ ، ووصفِ الربِّ سبحانهُ بالعظمةِ والحِلمِ ، وهاتانِ الصفتانِ مستلزمتانِ لكمالِ القدرةِ والرحمةِ ، والإحسانِ والتجاوزِ ، ووصْفهِ بكمالِ ربوبيتِه للعالمِ العلويِّ والسُّفليِّ والعرشِ الذي هو سقفُ المخلوقاتِ وأعظمُها .
والربوبيةُ التامَّةُ تستلزمُ توحيده ، وأنهُ الذي لا تنبغي العبادةُ والحبُّ والخوفُ والرجاءُ والإجلالُ والطاعةُ إلا لهُ . وعظمتُه المطلقةُ تستلزمُ إثبات كلِّ كمالٍ لهُ ، وسلب كلِّ نقصٍ وتمثيلٍ عنهُ ؛ وحِلمُهُ يستلزمُ كمال رحمتِهِ وإحسانِهِ إلى خلقِهِ .
فعلْمُ القلبِ ومعرفتُهُ بذلك تُوجبُ محبتُهُ وإجلالُهُ وتوحيدُهُ ، فيحصلُ له من الابتهاجِ واللذةِ والسرورِ ما يدفعُ عنهُ ألم الكْربِ والهمِّ والغمِّ ، وأنت تجدُ المريض إذا ورد عليهِ ما يسُرُّهُ ويُفرحُه ، ويُقوِّي نفسهُ ، كيف تقوى الطبيعةُ على دفعِ المرضِ الحسيِّ ، فحصولُ هذا الشفاءِ للقلبِ أولى وأحرى .
***************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:29

الاكتئابُ طريقُ الشقاءِ

ذكرتْ جريدةُ ( المسلمون ) عدد 240 في شهرِ صفر سنة 1410هـ ، أنَّ هناك 200 مليون مكتئبٍ على وجهِ الأرضِ !
الاكتئابُ العالم!! لا يفرِّقُ بين دولةٍ غربيةٍ وأخرى شرقية ! أو غنيٍّ وفقيرٍ . إنه مرضٌ يصيبُ الجميع .. ونهايتُه في الغالبِ الانتحارُ !!
الانتحارُ لا يعترفُ بالأسماءِ والمناصبِ والدولِ ، لكنَّه يخافُ من المؤمنين ، بعضُ الأرقامِ تؤكدُ أنَّ ضحاياهُ وصلوا إلى 200 مليون مريضٍ في كلِّ أنحاءِ العالمِ .. إلاَّ أنَّ آخر الإحصاءاتِ تؤكّدُ أنَّ واحداً على الأقلِّ بين كل عشرةِ أفرادٍ على وجهِ الأرضِ مصابٌ بهذا المرضِ الخطير !!
وقد وصلتْ خطورةُ هذا المرضِ أنه لا يصيبُ الكبار فقط ، بل يصِلُ إلى حدِّ مداهمةِ الجنينِ في بطنِ أمِّه !!
• الاكتئابُ بوابةُ الانتحار :
﴿ َلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ .
تذكر الأخبارُ التي تناقلتْها وِكالاتُ الأنباءِ أنَّ مرض الاكتئابِ قد تمكَّن من الرئيسِ السابق للولاياتِ المتحدة الأمريكية (رونالدْ ريجان). وتعودُ إصابةُ الرئيس الأمريكي بهذا المرضِ لتجاوزِه سنَّ السبعين في الوقتِ الذي لا يزالُ يتعرَّضُ فيه لضغوطٍ عصبيةٍ كبيرةٍ .. بالإضافةِ للعملياتِ الجراحيةِ التي أُجريتْ له على فتراتٍ متلاحقةٍ ،﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ .
وهناك الكثيرُ من المشاهيرِ وخاصَّةً مَنْ يعملون بالفنِّ ، يداهمُهمْ هذا المرضُ ، وقد كان الاكتئابُ سبباً رئيساً – إنْ لم يكنْ الوحيد – في موتِ الشاعرِ صلاح جاهين ، وكذلك يُقال : إنَّ نابليون بونابرت مات مكتئباً في منفاهُ ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
وما زلنا نذكرُ أيضاً الخبر الذي طيَّرتْه وكِالات الأنباءِ ، احتلَّ صدر الصفحاتِ الأولى في أغلبِ صحفِ العالمِ ، عن الجريمةِ المروِّعةِ التي ارتكبتْها أمٌّ ألمانيةٌ بقتلِ ثلاثةٍ منْ أطفالها، واتضح أنَّ السبب هو مرضُها بالاكتئابِ ، ولحبِّها الشديدِ لأطفالها خافتْ أنْ تورثهم العذاب والضيق الذي تشعرُ بهِ ، فقرّرتْ « إراحتهم» !! منْ هذا العذابِ بقتِلهم الثلاثةِ .. ثم قتلتْ نفسها !!.
وأرقامُ (منظمةِ الصحةِ العالميةِ) تشيرُ إلى خطورةِ الأمرِ.. ففي عام 1973 م كان عددُ المصابين بالاكتئابِ في العالمِ 3% ، وارتفعتْ هذه النسبةُ لتصل إلى 5% في عام 1978 م ، كما أشارتْ بعضُ الدراساتِ إلى وجودِ فردٍ أمريكيٍّ مصابٍ بالاكتئاب منْ كلِّ أربعةٍ !! في حين أعلن رئيسُ مؤتمرِ الاضطرابِ النفسيِّ الذي عُقد في شيكاغو عام 1981 م أنَّ هناك 100 مليونِ شخصٍ في العالمِ يعانون من الاكتئابِ ، أغلبُهمْ منْ دولِ العالمِ المتقدم ، وقالتْ أرقامٌ أخرى أنهم مائتا مليون مكتئبٍ!! ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾
قال أحدُ الحكماءِ : اصنعْ من الليمونِ شراباً حُلواً . وقال أحدُهم : ليس الذكيُّ الفطِنُ الذي يستطيعُ أنْ يزيد أرباحهُ، لكنّ الذكيَّ الذي يحوِّلُ خسائره إلى أرباحٍ ﴿أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ .
وفي المثلِ : لا تنطحِ الحائط !!
والمعنى : لا تعانِدْ منْ لا تستفيدُ منْ عنادِهِ فائدةً تعودُ عليك بخيْرٍ .
إذا لم تستطعْ شيئاً فدَعْهُ
وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ

وقالوا : ولا تطحنِ الدقيق ، ﴿ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ .
والمعنى : أنَّ الأمور التي فُرغ منها وانتهتْ لا ينبغي أن تُعاد وتُكرَّر ؛ لأنَّ في ذلك قلقاً واضطراباً وتضييعاً للوقت .
وقالوا أيضاً – وهو مثلٌ إنكليزيٌ - : لا تنشرِ النشارة .
والمعنى : أي نشارةَ الخشبِ ، لا تأت وتنشرْها مرةً ثانيةُ ، فقدْ فرغ منها .
يقولون ذلك لمنْ يشتغلُ بالتوافهِ ، واجترار الهمومِ ، وإعادةِ الماضي ، ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
هناك مجالاتٌ للفارغين من الأعمالِ يمكنُ سدُّها ، كالتزودِ بالصالحاتِ ، ونفْعِ الناسِ ، وعيادةِ المرضى ، وزيارةِ المقابرِ ، والعنايةِ بالمساجدِ ، والمشاركةِ في الجمعياتِ الخيريةِ ، ومجالسِ الأحيَّاءِ ، وترتيبِ المنزلِ والمكتبةِ والرياضةِ النافعةِ ، وإيصالِ النفع للفقراءِ والعجزةِ والأراملِ ، ﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾ .
ولم أر كالمعروفِ أمَّا مذاقُهُ
فحلوٌ وأماَّ وجهُهُ فجميلُ

اقرأِ التاريخ لتجد المنكوبين والمسلوبين والمصابين .
وبعد فصولٍ منْ هذا البحثِ سوف أطلعك على لوحةٍ من الحزنِ للمنكوبين بعنوان : تعزَّ بالمنكوبين .
اقرأ التاريخ إذْ فيه العِبرْ
ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخبرْ

﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ ، ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ﴾ ، ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
قال عمرُ : أصبحتُ وما لي مطلبٌ إلا التمتُّعُ بمواطنِ القضاءِ .
ومعنى ذلك : أنه مرتاحٌ لقضاءِ اللهِ وقدرهِ ، سواءٌ كان فيما يحلو له أو فيما كان مرّاً .
وقال بعضُهمْ : ما أبالي على أيِّ الراحلتيْنِ ركبتُ ، إنْ كان الفقرُ لهم الصبرُ ، وإنْ كان الغنى لهو الشكرُ .
ومات لأبي ذؤيب الهذليِّ ثمانيةٌ من الأبناءِ بالطاعونِ في عامٍ واحدٍ فماذا عسى أنْ يقول؟ إنه آمن وسلَّم وأذعن لقضاءِ ربهِ ، وقال :
وتجلُّدي للشامتين أُريهمُ
أني لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ

وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها
ألفيت كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ

﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ .
وفقد ابنُ عباسٍ بصره فقال – معزِّياً نفسه - :
إنْ يأخذِ اللهُ منْ عينيَّ نورها

ففي فؤادي وقلبي منهما نورُ

قلبي ذكيٌّ غيرُ ذي عِوجٍ

وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مشهورُ

وهو التسلِّي بما عنده منَ النَّعِم الكثيرةِ إذا فقد القليل منها .
وبُترتْ رِجْلُ عروة بن الزبيرِ ، ومات ابنُه في يومٍ واحداً ، فقال : اللهمَّ لِك الحمْد ، إنْ كنت أخذت فقدْ أعطيْت ، وإنْ كنت ابتليْتَ فقدْ عافيْت ، منحتني أربعة أعضاءِ ، وأخذت عضواً واحداً ، ومنحتني أربعة أبناءٍ وأخذت ابناً واحداً . ﴿ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ ، ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ .
وقُتل عبدُاللهِ بنُ الصِّمَّةِ أخو دريدٍ ، فعزَّى دريدٌ نفسه بعد أن ذكر أنه دافع عنْ أخيهِ قدْر المستطاعِ ، ولكنْ لا حيلة في القضاءِ ، مات أخوه عبدُالله فقال دريدٌ :
وطاعنتُ عنه الخيل حتى تبدَّدتْ

وحتى علاني حالِكُ اللونِ أسودِ

طعان امرئِ آسى أخاهُ بنفسهِ


ويعلمُ أنَّ المرء غيرُ مخلَّدِ

وخفَّفتُ وجدي أنني لم أقلْ لهُ

كذبت ولم أبخلْ بما ملكتْ يدِي

ويروى عنِ الشافعيِّ – واعظاً ومعزِّياً للمصابين - :
دعِ الأيام تفعلْ ما تشاءُ

وطِبْ نفساً إذا حكم القضاءُ

إذا نزل القضاءُ بأرضِ قومٍ

فلا أرضٌ تقيةِ ولا سماءُ

وقال أبو العتاهيةِ :
كمْ مرةِ حفَّتْ بك المكارِه خار لك اللهُ وأنت كارِهْ ؟
كمْ مرةٍ خفنا من الموتِ فما متْنا ؟!
كمْ مرةٍ ظننا انها القاضيةُ وأنها النهايةُ ، فإذا هي العودةُ الجديدةُ والقوةُ والاستمرارُ ؟!
كم مرةٍ ضاقتْ بنا السُّبُلُ ، وتقطَّعتْ بنا الحبالُ ، وأظلمتْ في وجوهِنا الآفاقُ ، وإذا هو الفتحُ والنصرُ والخيرُ والبِشارةُ ؟! ﴿ قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ .
كمْ مرةٍ أظلمتْ أمامنا دنيانا ، وضاقتْ علينا أنفسُنا والأرضُ بما رحُبتْ ، فإذا هو الخيرُ العميمُ واليسرُ والتأييدُ ؟! ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
منْ علم أنَّ الله غالبٌ على أمرِه ، كيف يخافُ أمر غيرِه ؟! منْ علم أنَّ كلَّ شيءٍ دون اللهِ ، فكيف يخوَّفونك بالذين منْ دونِه ؟! منْ خاف الله كيف يخافُ منْ غيرِه ، وهو يقولُ : ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ .
معهُ سبحانُهُ العزةُ ، والعزةُ للهِ ولرسولهِ وللمؤمنين .
معه الغَلَبَةُ ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ ، ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ .
ذكر ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه أثراً قدسيّاً : (( وعزتي وجلالي ما اعتصم بي عبدٌ ، فكادتْ له السماواتُ والأرضُ ، إلا جعلتُ له منْ بينِها فرجاً ومخرجاً . وعزَّتي وجلالي ما اعتصم عبدي بغيري إلا أسخْتُ الأرض من تحتِ قدميْهِ )) .
قال الإمامُ ابنُ تيمية : بـ (( لا حول ولا قوة إلا بالله ِ )) تُحمل الأثقالُ ، وتُكابدُ الأهوالُ ، ويُنالُ شريفُ الأحوالِ .
فالزمْها أيُّ العبدُ ! فإنها كنزٌ منْ كنوزِ الجنةِ . وهي منْ بنودِ السعادةِ ، ومنْ مساراتِ الراحةِ ، وانشراحِ الصدرِ .
***************************************
الاستغفارُ يفتحُ الأقفال

يقول ابنُ تيمية : إنَّ المسألة لتغلقُ عليَّ ، فأستغفرُ الله ألف مرةٍ أو أكثر أو أقلَّ ، فيفتحُها اللهُ عليَّ .
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ .
إنَّ منْ أسبابِ راحةِ البالِ ، استغفار ذي الجلال .
رُبَّ ضارةٍ نافعةٌ ، وكلُ قضاءٍ خيرٌ حتى المعصيةُ بشرطِها .
فقدْ ورد في المسندِ : ((لا يقضي اللهُ للعبدِ قضاء إلا كان خيراً له)) . قيل لابن تيمية: حتى المعصية ؟ قال : نعمْ ، إذا كان معها التوبةُ والندمُ ، والاستغفارُ والانكسارُ . ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾
قال أبو تمامٍ في أيامِ السعودِ وأيامِ النحسِ :
مرَّتْ سنونُ بالسعودِ وبالهنا

فكأنَها مِنْ قِصْرِها أيَّامُ

ثمَّ انْثنتْ أيامُ هجرٍ بعدها


فكأنها منْ طولِها أعوامُ

ثمَّ انقضت تلك السنونُ وأهلُها

فكأنَّها وكأنَّهُمْ أحلامُ

﴿ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ، ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ .
عجبتُ لعظماء عَرَفَهُمُ التاريخُ ، كانوا يستقبلون المصائب كأنَّها قطراتُ الغيثِ ، أو هفيفُ النسيمُ ، وعلى رأسِ الجميع سيدُ الخلْقِ محمدٌ  ، وهو في الغارِ ، يقولُ لصاحبِه : ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ﴾ . وفي طريقِ الهجرةِ ، وهو مطاردٌ مشرَّدٌ يبشِّرُ سراقة بأنه يُسوَّرُ سواريْ كسرى !
بُشرى مِن الغيبِ ألقتْ في فمِ
الغار وحْياً وأفضت إلى الدنيا بأسرارِ

وفي بدر يثبُ في الدرعِ  وهو يقولُ : ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ .
أنت الشجاعُ إذا لقِيت كتيبةً
أدَّبْت في هوْلِ الردى أبطالها

وفي أُحدٍ – بعد القتلِ والجراحِ – يقولُ للصحابةِ : (( صُفُّوا خلفي ، لأُثني على ربي )) . إنها هِممٌ نبويَّةٌ تنطحُ الثريَّا ، وعزْمٌ نبويٌ يهزُّ الجبال .
قيسُ بنُ عاصم المنْقرِيُّ منْ حلماءِ العربِ ، كان مُحتبياً يكلِّم قومهُ بقصةٍ ، فأتاه رجلٌ فقال : قُتِل ابنُك الآن ، قَتَلَهُ ابنُ فلانة . فما حلَّ حَبْوَتَهُ ، ولا أنهى قصّتهُ ، حتى انتهى منْ كلامِه ، ثم قال : غسِّلوا ابني وكفِّنوه ، ثمَّ آذنِوني بالصلاةِ عليه ! ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ .
وعِكرِمةُ بنُ أبي جهلٍ يُعطى الماء في سكراتِ الموتِ ، فيقولُ : أعطوه فلاناً . لحارثِ بنِ هشامِ ، فيتناولونه واحداً بعد واحداً ، حتى يموتُ الجميعُ .
**************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:38

الناسُ عليك لا لك

إنَّ العاقل الحصيف يجعلُ الناس عليهِ لا لهُ ، فلا يبني موقفاً ، أو يتخذ قراراً يعتمدُ فيهِ على الناسِ ، إن الناس لهمْ حدودٌ في التضامنِ مع الغيرِ ، ولهمْ مدىً يصلون إليهِ في البذلِ والتضحيةِ لا يتجاوزونهُ .
انظرْ إلى الحسينِ بنِ عليٍّ – رضي اللهُ عنهُ وأرضاهُ – وهو ابنُ بنتِ الرسولِ  ، يُقتلُ فلا تنبسُ الأمَّةُ ببنتِ شفةٍ ، بل الذين قتلوهُ يكبِّرون ويهلّلون على هذا الانتصارِ الضخمِ بِذبحِهِ !! ، رضي اللهُ عنه . يقولُ الشاعرُ :
جاؤوا برأسِك يا ابن بنتِ محمدٍ

مُتزمِّلاً بدمائِهِ تزميلا

ويُكبِّرون بأنْ قُتلت وإنما

قتلوا بك التكبير والتهليلا


ويُساق أحمدُ بنُ حنبلٍ إلى الحبسِ ، ويُجلدُ جلداً رهيباً ، ويشرفُ على الموتِ ، فلا يتحرّكُ معهُ أحدٌ .
ويُؤخذُ ابنُ تيمية مأسوراً ، ويركبُ البغل إلى مصر ، فلا تموجُ تلك الجموعُ الهادرةُ التي حضرتْ جنازتهُ ، لأنَّ لهمْ حدوداً يصلون إليها فَحَسْبُ ، ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً ﴾ ، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ ، ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً ﴾ .
فالزمْ يديْك بحبلِ اللهِ معتصماً

فإنَّهُ الركنُ إنْ خانَتْك أركانُ


***********************************************

رفقاً بالمالِ « ما عال منِ اقْتَصَدَ »

قال أحدهُمْ :
اجمعْ نقودك إنَّ العِزَّ في المالِ
واستغنِ ما شئت عنْ عمٍّ وعنْ خالِ

إنَّ الفلسفة التي تدعو إلى تبذيرِ المالِ وتبديدهِ وإنفاقِه في غيرِ وجْهِهِ أو عدمِ جمعِه أصلاً ليستْ بصحيحةٍ ، وإنما هي منقولةٌ منْ عُبَّادِ الهنودِ ، ومنْ جهلةِ المتصوفةِ .
إنَّ الإسلام يدعو إلى الكسبِ الشريفِ ، وإلى جمعِ المالِ الشريفِ ، وإنفاقهِ في الوجهِ الشريفِ ، ليكون العبدُ عزيزاً بماله، وقدْ قال  : ((نِعم المالُ الصالحُ في يدِ الرجلِ الصالحِ)) . وهو حديثٌ حسنٌ .
وإنَّ مما يجلبُ الهموم والغموم كثرةُ الديونِ ، أو الفقرُ المضني المهلك : (( فهلْ تنتظرون إلاَّ غنى مطغياً أو فقراً منسياً )) . ولذا استعاذ  فقال : (( اللهم إني أعوذُ بك منَ الكفرِ والفقْرِ )) . و (( كاد الفقْرُ أنْ يكون كفراً )) .
وهذا لا يتعارضُ مع الحديثِ الذي يرويه ابنُ ماجة : (( ازهدْ في الدنيا يحبّك اللهُ ، وازهدْ فيما عند الناسِ يحبُّك الناسُ )) . على أنَّ فيهِ ضعيفاً .
لكنَّ المعنى : أن يكون لك الكفافُ ، وما يكفيك عن استجداءِ الناسِ وطلبِ ما عندهم من المالِ ، بلْ تكونُ شريفاً نزيهاً ، عندك ما يكفُّ وجهكَ عنهمْ ، (( ومن يستغنِ يُغنِه اللهُ )) .
وفي الصحيحِ : (( إنك إنْ تَذَرُ ورثَتَكَ أغنياء ، خيرٌ منْ أن تَذَرَهُمْ عالةً يتكفَّفونُ الناس )) .
أَسُدُّ به ما قدْ أضاعوا وفرَّطوا
حقوق أناسٍ ما استطاعوا لها سدّا


يقولُ أحدُهم في عِزَّةِ النفسِ :
أحسنُ الأقوالِ قولي لك خذْ
أقبحُ الأقوالِ كلاَّ ولعلْ

وفي الصحيح : (( اليدُ العليا خيرٌ من اليدِِ السُّفلى )) . اليدُ العليا المعطيةُ ، واليدُ السُّفلى الآخذةُ أو السائلةُ ، ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ .
والمعنى : لا تتملَّق البشرَ فتطلب منهمْ رزقاً أو مكسباً ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ ضمِنَ الرزق والأجلَ والخلْقَ لأنَّ عزَّةَ الإيمانِ قعساءُ ، وأهلُه شرفاءُ ، والعزةُ لهم ، ورؤوسُهم دائماً مرتفعةٌ ، وأنوفُهم دائماً شامخةٌ : ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾ . قال ابنُ الورديُّ :
أنا لا أرغبُ تقبيل يدٍ

قطْعُها أحسنُ منْ تلك القُبلْ

إنْ جزتْني عنْ صنيعِ كنتُ في

رِقِّها أو لا فيكفيني الخجلْ

*******************************************
لا تتعلقْ بغيرِ اللهِ

إذا كان المحيي والميتُ والرزاقُ هو اللهُ ، فلماذا الخوفُ من الناس والقلقُ منهمُ ؟! ورأيتُ أنَّ أكثر ما يجلبُ الهموم والغموم التعلُّقُ بالناسِ ، وطلبُ رضاهمْ ، والتقربُ منهمُ ، والحرصُ على ثنائِهم ، والتضرُّر بذمِّهمْ ، وهذا من ضعفِ التوحيدِ .
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ

وليتك ترْضى والأنامُ غضابُ

إذا صحَّ منك الودُّ فالكُلُّ هيِّنٌ

وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ

***************************************
أسبابُ انشرحِ الصَّدْرِ

أهمُّها : التوحيدُ : فإنهُ بِحسبِ صفائِهِ ونقائِه يوسعُ الصدرَ ، حتى يكون أوسع من الدنيا وما فيها .
ولا حياة لمُشركٍ وملحِدٍ ، يقولُ سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ . وقال سبحانه : ﴿ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ . وقال سبحانه : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
وتوعَّد اللهُ أعداءه بضيقِ الصَّدرِ والرهبةِ والخوفِ والقلقِ والاضطرابِ ، ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ ، ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ، ﴿ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ﴾ .
ومما يشرحُ الصَّدْرَ : العلمُ النافعُ ، فالعلماءُ أشرحُ الناسِ صدوراً ، وأكثرُهم حُبوراً ، وأعظمُهمْ سروراً ، لما عندهمْ من الميراثِ المحمديِّ النبويِّ : ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ ، ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ .
ومنها : العملُ الصالحُ : فإنَّ للحسنةِ نوراً في القلبِ ، وضياءً في الوجهِ ، وسَعَةَ في الرزقِ ، ومحبةً في قلوبِ الخلْقِ ، ﴿ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ﴾ .
ومنها : الشجاعةُ : فالشجاعُ واسعُ البطانِ ، ثابتُ الجَنَانِ ، قويُّ الأركانِ ، لأنه يؤولُ على الرحمنِ ، فلا تهمُّه الحوادثُ ، ولا تهزُّهُ الأراجيفُ ، ولا تزعزِعُهُ التوجساتُ .
تردَّى ثبات الموتِ حُمْراً فما أتى

لها الليلُ إلا وهي مِنْ سندسٍ خُضْرُ

وما مات حتى مات مضرِبُ سيفِهِ

مِن الضربِ واعتلتْ عليه القنا السّمْرُ


ومنها : اجتنابُ المعاصي : فإنها كدرٌ حاضرٌ ، ووحشةٌ جاثمةٌ ، وظلامٌ قاتمٌ .
رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب
وقدْ يُورثُ الذُّلَّ إدمانُها


ومنها : اجتنابُ كثرةِ المباحاتِ : من الكلامِ والطعامِ والمنام والخلطةِ ، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ، ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، ﴿ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ .
*************************************


فُرِغ من القضاءِ

سألَ أحدُ المرضى بالهواجسِ والهمومِ طبيب القلقِ والاضطرابِ ، فقال له الطبيبُ المسلمُ : اعلمْ أنَّ العالم قدْ فرغَ منْ خلقِهِ وتدبيرِه ، ولا يقعُ فيهِ حركةٌ ولا هَمْسٌ إلا بإذن اللهِ ، فلِم الهمُّ والغمُّ؟! ((إنَّ الله كتب مقادير الخلائقِ قبل أنْ يَخْلُقَ الخلْق بخمسين ألف سنةٍ)) .
قال المتنبي على هذا :
وتعْظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها
وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائِمُ

*********************************
طَعْمُ الحريَّةِ اللذيذُ

يقولُ الراشدُ في كتابِ ( المسار ) : منْ عندَهُ ثلاثمائةٍ وستون رغيفاً وجرَّة زيتٍ وألفٌ وستمائة تمرة ، لم يستعبدْه أحدٌ .
وقال أحدُ السلفِ : منِ اكتفى بالخبزِ اليابسِ والماءِ ، سلِم من الرِّقِّ غلا للهِ تعالى ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى ﴾ .
قال أحدُهم :
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني
ولوْ أني قِنِعْتُ لكنتُ حراً

وقال آخرُ :
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمونها

على أنَّهمْ فيها عُراةٌ وجُوَّعُ

أراها وإنْ كانتْ تسُرُّ فإنها

سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشَّعُ

إنَّ الذين يسعوْن على السعادةِ بجمع المالِ أو المنصبِ أو الوظيفةِ ، سوف يعلمون أنهمْ همُ الخاسرون حقّاً ، وأنهمْ ما جلبوا إلا الهموم والغموم ، ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ ﴾ ، ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ .
************************************
سفيانُ الثوريُّ مخدَّتُهُ الترابُ

توسَّد سفيانُ الثوريُّ كومْةً منْ الترابِ في مزدلفة وهو حاجٌّ ، فقال له الناسُ : أفي مثلِ هذا الموطنِ تتوسَّدُ الترابَ وأنت مُحدِّثُ الدنيا ؟ قال : لمخدَّتي هذهِ أعظمُ منْ مخدةِ أبي جعفرٍ المنصورِ الخليفةِ .
﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ ﴾ .
*********************************
لا تركنْ إلى المُرجِفِينَ

الوعودُ الكاذبةُ ، والإرهاصاتُ الخاطئةُ المغلوبةُ ، التي يخافُ منها أكثرُ الناسِ ، إنما هي أوهامٌ ، ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
والقلقُ والأرقُ وقُرْحةُ المعدةِ : ثمراتُ اليأسِ والشعورِ بالإحباطِ والإخفاق .
***********************************
لنْ يضرَّك السبُّ والشَّتْمُ

كان الرئيسُ الأمريكيُّ ( إبراهام لينكولن ) يقولُ : أنا لا أقرأُ رسائل الشتمِ التي تُوجَّه إليَّ ، ولا أفتحُ مظروفها فضلاً عن الردِّ عليها ؛ لأنني لو اشتغلتُ بها لمَا قدَّمت شيئاً لشعبي ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ ، ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ﴾ .
قال حسَّانُ :
ما أبالي أنبَّ بالحزْنِ تَيْسٌ
أو لحاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ

المعنى : أنَّ كلماتِ اللؤماءِ والسخفاءِ والحقراءِ الشتّامين المتسلقين على أعراضِ الناسِ ، لا تضرُّ ولا تُهُمُّ ، ولا يمكنُ أنْ يتلفت لها مسلمٌ ، أو أن يتحرك منها شجاعٌ .
كان قائدُ البحريةِ الأمريكيةِ في الحربِ العالميةِ الثانيةِ رجلاً لامعاً ، يحرصُ على الشهرةِ ، فتعاملَ مع مرؤوسيةِ الذين كالوا له الشتائم والسباب والإهاناتِ ، حتى قال : أصبح اليوم عندي من النقدِ مناعةٌ ، لقدْ عَجَمَ عودي ، وكبرتْ سني ، وعلمتُ أنَّ الكلام لا يهدمُ ولا ينسِفُ سُوراً حصيناً .
وماذا تبتغي الشعراءُ منّي
وقدْ جاوزتُ حدَّ الأربعينا


يُذكرُ عن عيسى – عليه السلامُ – أنهُ قال : أحبوا أعداءكم .
والمعنى : أنْ تُصدروا في أعدائِكمْ عفواً عامّاً ، حتى تسلموا من التشفِّي والانتقامِ والحقدِ الذي ينهي حياتَكُمْ، ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. ((اذهبوا فأنتمُ الطلقاءُ)) ، ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ ، ﴿ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف ﴾ .
*************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:39

اقرأ الجمال في الكوْنِ

مما يشرحُ الصدر قراءةُ الجمالِ في خلْقِ ذي الجلالِ والإكرامِ، والتمتُّعُ بالنظرِ في الكونِ، هذا الكتابُ المفتوحُ ، إنَّ الله يقولُ في خلقِهِ : ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ .
وسوف أنقلُ لك ، بعد صفحاتِ ، من أخبارِ الكونِ ما يدلُّك على حكمةٍ وعظمةٍ ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ .
قال الشاعرُ :
وكتابي الفضاءُ أَقرأُ فيهِ
صوراً ما قرأتُها في كتابي


قراءةٌ في الشمسِ اللامعةِ ، والنجومِ الساطعةِ ، في النهرِ .. في الجدولِ .. في التلِّ .. في الشجرةِ .. في الثمرةِ .. في الضياءِ .. في الهواءِ .. في الماءِ ،
وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ
تدلُّ على أنَّه الواحدُ


يقول إيليا أبو ماضي :
أيُّها الشاكي وما بك داءٌ

كيف تغدو إذا غدوت عليلاَ

أترى الشوك في الورودِ وتَعْمَى


أن ترى فوقهُ النَّدى إكليلاَ

والذي نفسُه بغيرِ جمالٍ

لا يرى في الوجودِ شيئاً جميلا

*******************************************
﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

يقولُ أيْنشتاين : مَنْ ينظرْ إلى الكونِ يعلمْ أنَّ المبدع حكيمٌ لا يلعبُ بالنَّردِ . ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ ، ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾.
والمعنىِ : أنَّ كلَّ شيءٍ بِحُسْبانٍ وبحكمةٍ ، وبترتيبٍ وبنظامٍ ، يعلمُ منْ يرى هذا الكون أنَّ هناك إلهاً قديراً لا يُجري الأمور مجازفةً ، جلَّ في علاهُ .
ثمَّ يقولُ سبحانهُ وتعالى : ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ ، ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .
**********************************
لا يجدي الحِرْصُ

قال  : (( لنْ تموتَ نفسٌ حتى تستكمل رزْقها وأجلَها )) . فلِم الجَزَعُ ؟!ولِم الهَلَعُ ؟! ولِم الحِرْصُ إذنْ ، إذا انتهى منْ هذا وفَرَغَ ؟! ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ ، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ﴾ .
**************************************
الأزماتُ تكفِّرُ عنك السيئاتِ

يُذكَرُ عن الشاعرِ ابن المعتزِّ أنهُ قال : آللهُ ما أوطأ راحلةً المتوكل على اللهِ ، وما أسرع أوْبةَ الواثقِ باللهِ !! وقد صحَّ عنهُ  أنهُ قال : (( ما يصيبُ المؤمنَ منْ همٍّ ، ولا غمٍّ ، ولا وصبٍ ، ولا نصبٍ ، ولا مرضٍ ، حتى الشوكةُ يُشاكُها ، إلا كفَّر اللهُ بها منْ خطاياهُ )) . فهذا لمن صبر واحتسب وأناب ، وعَرَفَ أنهُ يتعاملُ مع الواحدِ الوهابِ .
قال المتنبي في أبياتٍ حكيمةٍ تضفي على العبدِ قوةً وانشراحاً :
لا تلق دهرك إلا غيْرَ مكترثٍ

ما دام يصحبُ فيهِ رُوحك البدنُ

فما يُديمُ سُروراً ما سُرِرْت بهِ

ولا يردُّ عليك الغائب الحزنُ

﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ .
**********************************
« حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »

« حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ » : قالها إبراهيمُ لما أُلقي في النارِ ، فصارتْ بردْاً وسلاماً . وقال محمدٌ  في أُحُدٍ ، فنصره اللهُ .
لما وُضِع إبراهيمُ في المنجنيقِ قال له جبريلُ : ألك إليَّ حاجةٌ ؟ فقال له إبراهيمُ : أمَّا إليك فلا ، وأمَّا إلى اللهِ فَنَعَمْ !
البحرُ يُغْرقُ ، والنارُ تَحْرِقُ ، ولكن جفَّ هذا ، وخمدتْ تلك ، بسبب : « حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ » .
رأى موسى البحرَ أمامه والعدَّ خلفه ، فقال : ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ . فنجا بإذنِ اللهِ .
ذُكِر في السيرةِ أنَّ الرسول  لما دخل الغار ، سخَّ الله الحمام فبنتْ عشّها ، والعنكبوت فبنت بيتها بفمِ الغارِ ، فقال المشركون : ما دخل هنا محمدٌ .
ظنُّوا الحمام وظنُّوا العنكبوت على

خيرِ البريةِ لم تنسِخْ ولم تَحُمِ

عنايةُ اللهِ أغنيتْ عنْ مضاعفةٍ

من الدروعِ وعنْ عالٍ من الأُطمُِ

إنها العنايةُ الربانيةُ إذا تلمَّحها العبدُ ، ونظر أنَّ هناك ربّاً قديراً ناصراً وليّاً راحماً ، حينها يركنُ العبدُ إليه .
يقولُ شوقي :
وإذا العنايةُ لاحظتْكَ عيونُها
نمْ فالحوادثُ كُلُّهن أمانُ

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ، ﴿ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ .
*************************************
مكوِّناتُ السَّعادةِ

وعند الترمذيِّ عنهُ  : (( منْ بات آمناً في سِرْبهِ ، معافىً في بدنه ، عندهُ قوتُ يومِهِ ، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافِيرِها )) .
والمعنى : إذا حصل على غذاءٍ ، وعلى مأوًى وكان آمناً ، فقدْ حصل على أحسنِ السعاداتِ ، وأفضلِ الخيراتِ ، وهذا يحصلُ عليه كثيرٌ من الناسِ ، لكنهمْ لا يذكرونه ، ولا ينظرون إليه ولا يلمسونه .
يقولُ سبحانه وتعالى لرسوله : ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ . فأيُّ نعمةٍ تمّتْ على الرسولِ  ؟
أهي المادةُ ؟ أهو الغذاءُ ؟ أهي القصورُ والدورُ والذهبُ والفِضَّةُ ، ولم يملكْ من ذلك شيئاً ؟
إنَّ هذا الرسول العظيم  كان ينامُ في غرفةٍ منْ طينٍ ، سقفُها منْ جريدِ النخلِ ، ويربطُ حَجَريْنِ على بطنِهِ ، ويتوسَّدُ على مخدَّةٍ منْ سَعَف النخلِ تؤثِّر في جنبهِ ، ورهن دِرْعهُ عند يهوديٍّ في ثلاثين صاعاً منْ شعيرٍ، ويدورُ ثلاثة أيامٍ لا يجدُ رديء التمرِ ليأكله ويشبع منه.
مِت ودرعُك مرهونٌ على شظفٍ

من الشَّعيرِ وأبقى رهَكَ الأجلُ

لأنَّ فيك معاني اليُتْمِ أعذبُهُ

حتى دُعيت أبا الأيتامِ يا بَطَلُ


وقلتُ في قصيدةٍ أخرى :
كفاك عنْ كلِّ قصرٍ شاهقٍ عمدٍ

بيتٌ من الطينِ أو كهفٌ من العلمِ

تبني الفضائل أبراجاً مشيَّدةً

نُصْيَ الخيامِ التي منْ أروعِ الخيمِ

﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى{4} وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ ، ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ .
***************************************
نَصَب المَنْصِب

منْ متاعبِ الحياةِ المنصبُ ، قال ابنُ الورديُّ :
نصبُ المنصبِ أوهي جَلَدي
يا عنائي منْ مداراةِ السفَلْ

والمعنى : انَّ ضريبةَ المنصبِ غاليةٌ ، إنها تأخذُ ماء الوَجْهِ ، والصِّحِّة والراحةَ ، وقليلٌ مَنْ ينجو منْ تلك الضرائبِ التي يدفعُها يوميّاً ، منْ عرقِهِ ، من دِمِ ، منْ سمعتِه ، من راحتِه ، منْ عزتِه ، منْ شرفِه ، منْ كرامتِه ، ((لا تسألِ الإمارةَ)) . ((نِعْمَتِ المرضعةُ وبِئست الفاطمةُ)) ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ﴾ .
قال الشاعرُ :
هبِ الدنيا تصيرُ غليك عفواً
أليس مصيرُ ذلك للزوالِ ؟!

قدِّرْ أنَّ الدنيا أتتْ بكل شيءٍ ، فإلى أي شيء تذهبُ ؟ إلى الفناءِ ، ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ .
قال أحدُ الصالحين لابنه : لا تكنْ يا بُنيَّ رأساً ، فإنَّ الرأس كثيرُ الأوجاعِ .
والمعنى : لا تُحِبَّ التصدُّرَ دائماً والتَّرؤُّس ، فإنَّ الانتقاداتِ والشتائمِ والإحراجاتِ والضرائبِ لا تصلُ إلا إلى هؤلاء المقدَّمين .
إنَّ نصف الناسِ أعداءٌ لمِنْ
ولي السلْطة هذا إنْ عدلْ

*****************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:40

هيا إلى الصلاة

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ﴾ .
كان  إذا حزبه أمرٌ فَزِع إلى الصلاةِ .
وكان يقولُ : (( أرِحنْا بها يا بلالُ )) .
ويقولُ : (( جُعلت قرَّةُ عيني في الصلاةِ )) .
إذا ضاق الصدرُ ، وصعُب الأمرُ ، وكثر المكْرُ ، فاهرعْ إلى المصلَّى فصلِّ .
إذا أظلمتْ في وجهِك الأيامُ ، واختلفتْ الليالي ، وتغيَّرَ الأصحابُ ، فعليك بالصلاةِ .
كان النبيُّ  في المهمَّاتِ العظيمةِ يشرحُ صدره بالصلاةِ ، كيومِ يدْرٍ والأحزابِ وغيرِها من المواطنِ . وذكروا عنِ الحافظِ ابن حجرٍ صاحبِ ( الفتحِ ) أنه ذهب إلى القلعةِ بمصر فأحط به اللصوصُ ، فقام يصلي ، ففرَّج اللهُ عنهُ .
وذكر ابنُ عساكر وابنُ القيمِ : أنَّ رجلاً من الصالحين لقيه لصٌّ في إحدى طرقِ الشامِ ، فأجهز عليه ليقتله ، فطلب منه مهلةٍ ليصلي ركعتين ، فقام فافتتح الصلاة ، وتذكَّرَ قول اللهِ تعالى : ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ . فردَّدها ثلاثاً ، فنزل ملكٌ من السماءِ بحربةٍ فَقَتَلَ المجرم ، وقال : أنا رسولُ منْ يجيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ . ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ ، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾ ، ﴿ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ﴾ .
وإن ممَّا يشرحُ الصدر ، ويزيلُ الهمَّ والغمَّ ، الصلاةُ على الرسول  : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ .
صحَّ ذلك عند الترمذيِّ : أنَّ أُبَيَّ بن كعب – رضي اللهُ عنهُ – قال : يا رسول اللهِ ، كمْ أجعلُ لك من صلاتي ؟ قال : (( ما شئت )) . قال : الربع ؟ قال : (( ما شئت ، وإنْ زدت فخيْرٌ )) . قال : الثُّلُثيْن ؟ قال : (( ما شئت ، وإنْ زدت فخيرٌ )) . قال : أجعلُ لك صلاتي كلهَّا ؟ قال : (( إذنْ يُغفرُ ذنبُك ، وتُكْفى همُّك )) .
وهنا الشاهدُ ، أنْ الهمَّ يزولُ بالصلاةِ والسلامِ على سيدِ الخلْقِ : (( منْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليهِ بها عَشْراً )) . (( أكِثروا من الصلاةِ عليَّ ليلة الجمعةِ ويوم الجمعةِ ، فإنَّ صلاتكمْ معروضةٌ عليَّ)) . قالوا : كيف تُعرضُ عليك صلاتُنا وقدْ أرمْت ؟! -أي بليت- قال: ((إنَّ الله حرمَّ على الأرضِ أنْ تأكل أجساد الأنبياءِ)) . إنَّ للذين يقتدون به  ويتّبعون النور الذي أُنْزِلَ معهُ نصيباً من انشراحِ صدرِه وعُلوِّ قدرِه ورفعةِ ذكرهِ .
يقولُ ابنُ تيمية : أكملُ الصلاةِ على الرسولِ  هي الصلاةُ الإبراهيميةُ : اللهم صلِّ على محمدِ وعلى آل محمَّدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركْت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم في العالمين . إنك حميدٌ مجيدٌ .
نسينا في ودادِك كُلَّ غالِ

فأنت اليومَ أغلى ما لَدَيْنَا

نُلامُ على محبَّتِكمْ ويكفي

لنا شرفاً نلامُ وما علينا

****************************************
الصَّدَقةُ سَعةٌ في الصَّدْرِ

ويدخلُ في عمومِ ما يجلبُ السعادة ويزيلُ الهمَّ والكدر : فعلُ الإحسانِ ، من الصدقةِ والبِرُّ ولإسداءِ الخيرِ للناسِ ، فإنَّ هذا منْ أحسنِ ما يُوسَّعُ بهِ الصَّدْرُ ، ﴿ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ ، ﴿ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ﴾ .
وقدْ وصف  البخيلُ والكريمُ برجليْن عليهما جُبَّتانِ ، فلا يزالُ الكريمُ يُعطي ويبذلُ ، فتتوسَّعُ عليه الجبَّةُ والدِّرْعُ من الحديدِ حتى يعفُوَ وأثرُه ، ولا يزالُ البخيلُ يمسكُ ويمنعُ ، فتتقلَّص عليهِ ، فتخنقهُ حتى تضيق عليهِ روحهُ ! ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ . وقال سبحانه وتعالى : ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾ .
إنَّ غلَّ الروحِ جزءٌ منْ غلِّ اليدِ ، وإنَّ البخلاء أضيقُ الناسِ صدوراً وأخلاقاً ؛ لأنهم بخلُوا بفضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولو عملوا أنَّ ما يعطونه الناس إنما هو جلبٌ للسعادةِ ، لسارعوا إلى هذا الفعلِ الخيِّرِ ، ﴿ إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ .
وقال سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ، ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾
اللهُ أعطاك فابذلْ مِنْ عطيتهِ

فالمالُ عاريةٌ والعمرُ رحَّالُ

المالُ كالماءِ إنْ تحبسْ سواقِيهُ

يأسنْ يجرِ يعذُبْ منه سلسالُ

يقولُ حاتمُ :
أما والذي لا يعلمُ الغيب غيرهُ

ويُحيي العظام البيض وهي رميمُ

لقدْ كنتُ أطوي البطن والزادُ يُشتهى

مخافة يومٍ أنْ يُقال لئيمُ

إنَّ هذا الكريم يأمرُ امرأته أنْ تستضيف له ضيوفاً ، وأن تنتظر روَّاده ليأكلوا معه ، ويؤانسوهُ ليشرح صدرهُ ، يقولُ :
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ
أكولاً فإني لستُ آكلُه وحدي

ثمّ يقولُ لها وهو يعلنُ فلسفته الواضحة ، وهي معادلةٌ حسابيةٌ سافرةٌ :
أريني كريماً مات مِنْ قبلِ حِينهِ
فيرضى فؤادي أو بخيلاً مخلدَّا

هلْ جمْعُ المالِ يزيدُ في عمرِ صاحبِه ؟ هلْ إنفاقُهُ يُنقصُ من أجلِه ؟ ليس بصحيحٍ .
***************************************
لا تغضبْ

﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
أوصى  أحد أصحابه فقال : (( لا تغضبْ ، لا تغضبْ ، لا تغضبْ )) .
وغضب رجلٌ عنده فأمرهُ  أنْ يستعيذ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ .
وقال تعالى : ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ .
إنَّ ممَّا يورِثُ الكَدَرَ والهمَّ والحزن الحِدَّةُ والغضبُ ، وله أدواءٌ عند المصطفى  .
منها : مجاهدةُ الطبعِ على تركِ الغَضَبِ ، ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ ، ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ .
ومنها : الوضوءُ ، فإنَّ الغَضَبَ جمرةٌ من النارِ ، والنارُ يطفئُها الماءُ ، (( الطهورُ شطْرُ الإيمانِ )) ، (( الوضوءُ سلاحُ المؤمنِ )) .
ومنها : إذا كان واقفاً أن يجلس ، وإذا كان جالساً أن يضطجع .
منها : أنْ يسكت فلا يتكلمُ إذا غضِب .
ومنها أيضاً : أن يتذكر ثواب الكاظمين لغيظِهم ، والعافين عن الناسِ المسامحين .
***************************************
وِرْدٌ صباحيٌّ

وسوف أخبرُك بورْد من الأذكارِ تداومُ عليه كلَّ صباحٍ ، ليجلب لك السعادة ، ويحفظك منْ شرِّ شياطينِ الإنسِ والجنَّ ، ويكون لك عاصِماً طِيلة يومِك حتى تُمسي .
منْ هذهِ الأدعيةِ ، وهي التي صحَّتْ عنه  :
1. أصبحنا وأصبح الملكُ للهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريك لهُ ، لهُ الملكُ وله الحمدُ ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ . ربِّ أسألُك خَيْرَ ما في هذه الليلةِ ، وخَيْرَ ما بعدها ، وأعوذُ بك منْ شرِّ هذه الليلةِ وشرِّ ما بعدها ، ربِّ أعوذُ بك من الكسلِ وسُوءِ الكبِرِ ، ربِّ أعوذُ بك منْ عذابٍ في النارِ وعذابٍ في القبرِ )) .
2. وحديثُ : (( اللهمَّ عالم الغيبِ والشهادةِ ، فاطر السماواتِ والأرضِ ، ربَّ كلِّ شيء ومليِكه ، أشهدُ أنْ لا إله إلا أنت ، أعوذُ بك منْ شرِّ نفسي ، وشرِّ الشيطانِ وشركهِ ، وأنْ أقترف على نفسي سوءاً أو أجرَّه إلى مسلمٍ )).
3. وحديثُ : (( بسمِ اللهِ الذي لا يضرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ ، وهو السميعُ العليمُ )) . ثلاث مراتٍ .
4. (( اللهمَّ إني أصبحتُ أشهدُك وأشهدُ حملة عرشِك وملائكتك وجميع خلقِك أنك أنت اللهُ لا إله إلاَّ أنت ، وحدك لا شريك لك ، وأنَّ محمداً عبدُك ورسولُك  )) . أربع مرات .
5. ((اللهمَّ إني أعوذُ بك أنْ أشرك بك شيئاً وأنا أعلمُ ، وأستغفرُك لما لا أعلمُ)).
6. (( أصبحنا على فِطْرةِ الإسلامِ ، وعلى كلمةِ الإخلاصِ ، وعلى دينِ نبيِّنا محمدٍ  ، وعلى ملَّةِ أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين )) .
7. (( سبحان اللهِ وبحمدهِ : عَدَدَ خَلْقِهِ ، ورضا نفسِهِ ، وزِنه عرشِهِ ، ومِداد كلماتِهِ )) . ثلاث مراتٍ .
8. (( رضيتُ باللهِ رَبّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمدٍ  نبياً )) . ثلاث مراتٍ .
9. (( أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ منْ شرُ ما خَلَقَ )) . ثلاثاً في المساء .
10. (( اللهمّ بك أصبحْنا ، وبك أمسنا ، وبك نحْيا ، وبك نموتُ ، وإليك النشورُ )) .
11. (( لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك لهُ ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمْدُ ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ )) . مائة مرة .
*********************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:42

وقفـــة

يقولُ ابنُ القيِّم : (( أجمع العارفون بالله على أنَّ الخِذْلان : أنْ يكلك اللهُ على نفسِك ، ويُخلِّي بينك وبينها . والتوفيقُ أنْ لا يكِلك اللهُ إلى نفسِك .
فالعبيدُ متقلِّبون بين توفيقهِ وخذلانِهِ ، بلِ العبدُ في الساعةِ الواحدةِ ينالُ نصيبه منْ هذا وهذا ، فيطيعهِ ويُرضيهِ ، ويذكرُه ويشكرُه بتوفيقِه له ، ثم يعصيهِ ويخالفُه ، ويُسْخِطُه ويغفلُ عنه بخذلانِهِ له ، فهو دائرٌ بين توفيقِه وخِذْلانِهِ .
فمتى شهِد العبدُ هذا المشهد وأعطاهُ حقَّه ، علِم شِدَّة ضرورتِه وحاجتِه إلى التوفيق في كلِّ نَفَسٍ وكلِّ لحظةٍ وطرْفةِ عيْنٍ ، وأنَّ إيمانه وتوحيده بيدِهِ تعالى ، لو تخلَّى عنه طرفة عينٍ لَثُلَّ عَرْشُ توحيدِه ، ولخَرَّتْ سماءُ إيمانِهِ على الأرضِ ، وأنَّ الممسك له : هو منْ يمسك السماء أنْ تقع على الأرضِ إلا بإذنِهِ )) .
*****************************************
القرآنُ .. الكتابُ المباركُ

ومنْ أسبابِ السعادةِ وانشراحِ الصدرِ قراءةُ كتابِ اللهِ بتدبُّرٍ وتمعُّنٍ وتأمُّلٍ ، فإنَّ الله وَصَفَ كتابه بأنه هدىً ونورٌ وشفاءٌ لما في الصدورِ، ووصفه بأنه رحمةٌ، ﴿ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ ، ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ ، ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ .
قال بعضُ أهلِ العِلْمِ : مباركٌ في تلاوتِهِ ، والعملِ به ، وتحكيمِه والاستنباطِ منه .
وقال أحدُ الصالحين : أحسسْتُ بغمٍّ لا يعلمهُ إلا اللهُ ، وبهمٍّ مقيمٍ ، فأخذتُ المصحف وبقيتُ أتلو ، فزال عني – والله – فجأةً هذا الغمُّ ، وأبدلني اللهُ سروراً وحبوراً مكان ذلك الكدرِ . ﴿ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ، ﴿ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ ﴾ ، ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ﴾ .
****************************************
لا تحرصْ على الشهرةِ
فإنَّ لها ضريبةً من الكدرِ والهمِّ والغمِّ

مما يشتتُ القلب ويكدِّرُ صفاءه واستقراره وهدوءه : الحرصُ على الظهورِ والشهرةِ ، وطلبِ رضا الناسِ ، ﴿ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً ﴾ .
ولذلك قال أحدُهم بالمقابلِ :
مَنْ أخمل النفس أحياها وروَّحها

ولم يبتْ طاوياً منها على ضجرِ

إنَّ الرياح إذا اشتدَّتْ عواصفُها

فليس ترمي سوى العالي منَ الشجرِ


((منْ راءى راءى اللهُ بهِ ، ومنْ سمَّع سمَّع اللهُ بهِ)) . ﴿ يُرَآؤُونَ النَّاسَ ﴾ ، ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ ، ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ﴾.
ثوبُ الرياءِ يشِفُّ عمَّا تحتهُ
فإذا التْحفْت بهِ فإنَّك عاري

***********************************
الحياةُ الطيبةُ

من القضايا الكبرى المسلَّمةِ أنَّ أعظم هذه الأسبابِ التي أكتبُها هنا في جلبِ السعادةِ هو الإيمانُ باللهِ ربِّ العالمين ، وأنَّ السباب الأخرى والمعلوماتِ والفوائد التي جمعتْ إذا أُهديتْ لشخصٍ ولم يحصلْ على الإيمانِ باللهِ ، ولم يحُزْ ذلك الكنْز ، فلنْ تنفعه أبداً ، ولا تفيده ، ولا يتعبْ نفسه في البحثِ عنها .
إنَّ الأصل الإيمانُ باللهِ ربّاً ، وبمحمدٍ نبيّاً ، وبالإسلامِ ديناً .
يقولُ إقبالُ الشاعرُ :
إنما الكافرُ حيرانُ له الآفاقُ تِيهْ
وأرى المؤمن كوناً تاهتِ الآفاقُ فيِه


وأعظمُ منْ ذلك و أصدقُ ، قولُ ربِّنا سبحانه : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وهناك شرطان :
الإيمانُ باللهِ ، ثمَّ العملُ الصالحُ ، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ .
وهناك فائدتان :
الحياةُ الطيبةُ في الدنيا والآخرةِ ، والأجرُ العظيمُ عند اللهِ سبحانهُ وتعالى ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾ .
********************************


البلاءُ في صالحِك

لا تجزعْ من المصائبِ ، ولا تكترثْ بالكوارثِ ، ففي الحديثِ : (( إن الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم ، فمنُ رضي فلهُ الرضا ، ومنْ سخط فَلَهُ السخطُ )) .
**************************************
عبوديةُ الإذعانِ والتسليمِ

ومنْ لوازمِ الإيمانِ أنْ ترضى بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ ، ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ . إنَّ الأقدار ليستْ على رغباتِنا دائماً وإنما بقصورِنا لا نعرفُ الاختيار في القضاءِ والقدرِ ، فلسْنا في مقامِ الاقتراحِ ، ولكننا في مقامِ العبوديِّةِ والتسليمِ .
يُبتلى العبدُ على قدرِ إيمانه ، (( أُوعكُ كما يُوعَكُ رجلان منكمْ )) ، (( أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ، ثمَّ الصالحون )) ، ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ ، (( مَن يردِ اللهُ بهِ خيراً يصبْ منهُ )) ، ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ ، ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
****************************************
مِن الإمارة إلى النجارة

عليُّ بنُ المأمون العباسي – أميرٌ وابنُ خليفة – كان يسكنُ قصراً فخماً ، وعندهُ الدنيا مبذولةٌ ميسَّرةٌ ، فأطلَّ ذات يومٍ منْ شرفةِ القصرِ ، فرأى عاملاً يكدحُ طِيلةَ النهارِ ، فإذا أضحى النهارُ توضَّأ وصلَّى ركعتين على شاطئ دِجلة ، فإذا اقترب الغروبُ ذهب إلى أهلِه ، فدعاهُ يوماً من الأيامِ فسألهُ فأخبره أن له زوجةً وأختين وأُمّاً يكدحُ عليهنَّ ، وأنه لا قوت لهُ ولا دخل إلا ما يتكسبُه من السوقِ ، وأنه يصومُ كلَّ يومٍ ويُفطرُ مع الغروبِ على ما يحصلُ ، قال : فهلْ تشكو منْ شيءٍ ؟ قال : لا والحمدُ للهِ ربِّ العالمين . فترك القصر ، وترك الإمارة ، وهام على وجههِ ، ووُجد ميتاً بعد سنواتٍ عديدةٍ وكان يعملُ في الخشب جهة خرسان ؛ لأنهُ وجد السعادة في عملِه هذا ، ولم يجدْها في القصرِ ، ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾ .
يذكِّرني هذه بقصةِ أصحاب الكهفِ ، الذين كانوا في القصور مع الملكِ ، فوجدُوا الضيقَ ، ووجدوا التشتُّتَ ، ووجدوا الاضطرابَ ؛ لأنَّ الكفر يسكنُ القصر ، فذهبوا ، وقال قائلُهم : ﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً ﴾ .
لبيتٌ تخفقُ الأرياحُ فيهِ
أحبُّ إليَّ مِنْ قصْرٍ منيفِ

سَمُّ الخِياطِ مع الأحبابِ ميدانُ ...
والمعنى : أن المحلَّ الضيَّق مع الحبِّ والإيمانِ ، ومع المودَّةِ يتَّسعُ ويتحمَّلُ الكثير ، ((جفانُنا لضيوفِ الدار أجفانُ )) .
****************************************
منْ أسبابِ الكدرِ والنكدِ مجالسةُ الثقلاءِ

قال أحمدُ : الثقلاءُ أهلُ البدعِ . وقيلَ : الحمقى . وقيل الثقيلُ : هو ثخينُ الطبعِ ، المخالفُ في المشربِ ، الباردُ في تصرفاتِه ، ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ، ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ .
قال الشافعيَّ عنهمْ : إنَّ الثقيل ليجلسُ إليَّ فأظنُّ أنَّ الأرض تميلُ في الجهةِ التي هو فيها.
وكان الأعمشُ إذا رأى ثقيلاً ، قال : ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ .
لا بأس بالقومِ مِنْ طُولٍ ومِنْ قِصرٍ
جِسْمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ

وكان ابنُ تيمية إذا جالس ثقيلاً ، قال : مجالسةُ الثقلاءِ حمَّى الربْعِ، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ . ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ . ((مثلُ الجليسِ السيّئِ كنافخ الكيرِ)) . إنَّ مِن اثقلِ الناسِ على القلوبِ العرِيَّ من الفضائلِ الصغير في المُثُلِ، الواقف على شهواتِه ، المستسلم لرغباتِه، ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ .
قال الشاعرُ :
أنت يا هذا ثقيلٌ وثقيلٌ وثقيلْ
أنت في المنظرِ إنسانٌ وفي الميزان فِيلْ

قال ابنُ القيمِ : إذا ابتُليت بثقيلٍ ، فسلِّم له جسمك ، وهاجرْ بروحِك ، وانتقلْ عنهُ وسافرْ ، وملِّكْه أذناً صمَّاء ، وعيْناً عمياءَ ، حتى يفتح اللهُ بينك وبينه . ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ .
**********************************
إلى أهلِ المصائبِ

في الحديثِ الصحيحِ : (( منْ قبضتُ صفيَّهُ من أهلِ الدُنْيا ثمَّ احْتَسَبَهُ عوضتهُ منه الجنة )) . رواه البخاري .
وكانتْ في حياتِك لي عظاتٌ
فأنت اليوم أوعظُ منك حيّاً

وفي الحديثِ الصحيح : (( من ابتليتُه بحبيبتيْهِ ( أي عينيْهِ ) عوضتُه منهما الجنة )) . ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ .
وفي حديثٍ صحيحٍ : (( إنَّ الله – عزَّ وجلَّ – إذا قبض ابن العبدِ المؤمنِ قال للملائكةِ : قبضتُم ابن عبدي المؤمنِ ؟ قالُوا : نعمْ . قال : قبضتُهمْ ثمرة فؤادِه ؟ قالوا : نعم . قال : ماذا قال عبدي ؟ قالوا : حَمَدَكَ واسترجَعَ . قال : ابْنُوا لعبدي بيتاً في الجنةِ ، وسمُّوه بَيْتَ الحَمْدِ )) . رواه الترمذي .
وفي الأثرِ : يتمنَّى أناسٌ يوم القيامةِ أنَّهمْ قُرِضوا بالمقارضِ ، لمِا يروْن منْ حُسْنِ عُقبى وثوابِ المصابين . ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ ، ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ﴾ ، ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
وفي الحديثِ : (( إنَّ عِظَمَ الجزاءِ منْ عِظمِ البلاءِ ، وإنَّ الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهمْ ، فمنْ رضي فلهُ الرَّضا ، ومنْ سخِط فلُه السخطُ )) . رواه الترمذي .
إنَّ في المصائبِ مسائلَ : الصبرَ والقدرَ والأجرَ ، وليعلمِ العبدُ انَّ الذي أخذ هو الذي أعطى ، وأنَّ الذي سلب هو الذي منح، ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ .
وما المالُ والأهلون إلا ودِيعةٌ

ولابدَّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ


************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:43

مشاهد التوحيد

إنَّ منْ مشاهدِ التوحيدِ عند الأذيَّةِ ( استقبالِ الأذى من الناسِ ) أموراً :
أولُها مشهدُ العَفْوِ : وهو مشهدُ سلامةِ القلبِ ، وصفائهِ ونقائِه لمنْ آذاك ، وحبُّ الخيرِ وهي درجةٌ زائدةٌ . وإيصالُ الخَيْرِ والنَّفعِ له ، وهي درجة أعلى وأعظمُ ، فهي تبدأ بكظْمِ الغَيْظِ ، وهو : أنْ لا تُؤذي منْ آذاك ، ثمَّ العفو ، وهو أنْ تسامحهُ ، وأنْ تغفرَ له زلَّتهُ . والإحسانِ ، وهو : أنْ تبادله مكان الإساءةِ منه إحساناً منك ، ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾ .
وفي الأثرِ : (( إنَّ الله أمرني أنْ أصِلَ منْ قطعني ، وأنْ أعفو عمَّنْ ظلمنِي وأنْ أُعطي منْ حَرَمَنِي )) .
ومشهدُ القضاءِ : وهي أنْ تعلم أنه ما آذاك إلا بقضاءٍ من اللهِ وقَدَرٍ ، فإنَّ العبد سببٌ من الأسبابِ ، وأنَّ المقدر والقاضي هو اللهُ ، فتسلِّمَ وتُذْعن لمولاك .
ومشهدُ الكفارةِ : وهي أنَّ هذا الأذى كفارةٌ منْ ذنوبك وحطٌّ منْ سيئاتِك ، ومحوٌ لزلاّتِك ، ورفعةٌ لدرجاتِك ، ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
من الحكمةِ التي يؤتاها كثيرٌ من المؤمنين ، نَزْعُ فتيلِ العداوةِ ، ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، (( المسلمُ منْ سلِم المسلمون منْ لسانِه ويدهِ )) .
أيْ : أن تَلْقَى منْ آذاك بِبِشر وبكلمةٍ لينةٍ ، وبوجهٍ طليقٍ ، لتنزع منهُ أتون العداوةِ ، وتطفئ نار الخصومِة ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ .
كٌن ريِّق البِشْرِ إنَّ الحُرَّ شيمتُهُ
صحيفةٌ وعليها البِشْرُ عنوانُ

ومنْ مشاهدِ التوحيدِ في أذى منْ يؤذيك :
مشهدُ معرفةِ تقصيرِ النفسِ : وهو انَّ هذا لم يُسلَّطِ عليك إلا بذنوبٍ منك أنت ، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
وهناك مشهدٌ عظيمٌ ، وهو مشهدٌ تحمدُ الله عليهِ وتشكرُه ، وهو : أنْ جعلك مظلوماً لا ظالماً .
وبعضُ السلفِ كان يقولُ : اللهمَّ اجعلْني مظلوماً لا ظالماً . وهذا كابنْيْ آدم ، إذ قال خيرُهما : ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
وهناك مشهدٌ لطيفٌ آخرُ ، وهو : مشهدُ الرحمةِ وهو : إن ترْحَمَ منْ آذاك ، فإنهُ يستحقُّ الرحمةَ ، فإنَّ إصراره على الأذى ، وجرأته على مجاهرةِ اللهِ بأذيةِ مسلمٍ : يستحقُّ أن ترقَّ لهُ ، وأنْ ترحَمَهُ ، وأنْ تنقذه من هذا ، (( انصرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً )) .
ولمَّا آذى مِسْطَحٌ أبا بكرٍ في عِرْضِهِ وفي ابنتِهِ عائشة ، حلف أبو بكرٍ لا ينفقُ على مسطحٍ ، وكان فقيراً ينفقُ عليه أبو بكرٍ ، فأنزل اللهُ : ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ . قال أبو بكرٍ : بلى أُحِبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فأعاد له النفقة وعفا عنهُ .
وقال عيينهُ بنُ حِصْنٍ لعمر : هيهِ يا عمرُ ؟ والله ما تعطينا الجَزْلَ ، ولا تحكمُ فينا بالعدْلِ . فهمّ به عمرُ ، فقال الحرُّ بنُ قيس : يا أمير المؤمنين ، إنَّ الله يقول : ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ ، قال : فواللهِ ما جاوزها عمرُ ، وكان وقَّفاً عند كتابِ اللهِ .
وقال يوسُفُ إخوتِهِ : ﴿ قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ .
وأعلنها  في الملأِ فيمنْ آذاهُ وطرده وحاربه منْ كفارِ قريش ، قال : (( اذهبُوا فأنتمُ الطلقاءُ )) قالها يوم الفتحِ ، وفيِ الحديثِ : (( ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفسه عندَ الغضبِ )) .
قال ابنُ المباركِ :
إذا صاحبت قوماً أهل وُدٍّ

فكْن لهمُ كذي الرَّحِمِ الشفيقِ

ولا تأخذْ بزلَّةِ كلِّ قومٍ

فتبقى في الزمانِ بلا رفيقِ


قال بعضُهم : موجودٌ في الإنجيل : اغفرْ لمنْ أخطأ عليك مرةً سبع مراتٍ ﴿ مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
أيْ : منْ أخطأ عليك مرةً فكرِّرْ عليه العَفْوَ سبع مراتٍ ، ليسلم لك دينُك وعِرْضُك ، ويرتاح قلبُك ، فإنَّ القَصَاصَ منْ أعصابِك ومنْ دمِك ، ومنْ نومِك ومنْ راحتِك ومنْ عِرضِك ، وليس من الآخرين .
قال الهنودُ في مثلٍ لهم : « الذي يقهرُ نفسه : أشجعُ من الذي يفتحُ مدينةً » . ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ﴾ .
**********************************


وقفـــةٌ

« أما دعوةُ ذي النونِ ، فإنَّ فيها منْ كمالِ التوحيدِ والتنزيهِ للربِّ تعالى ، واعترافِ العبدِ بظلمهِ وذنبه ، ما هو منْ أبلغ أدويةِ الكربِ والهمِّ والغمِّ ، وأبلغ الوسائلِ إلى اللهِ سبحانه في قضاءِ الحوائجِ فإنَّ التوحيد والتنزيهَ وتضمَّنانِ إثبات كلِّ كمالٍ للهِ ، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه . والاعترافُ بالظلمِ يتضمَّنُ إيمان العبدِ بالشرعِ والثوابِ والعقابِ ، ويُوجبُ انكساره ورجوعهُ إلى اللهِ ، واستقالته عثرته ، والاعتراف بعبوديتهِ وافتقارِه إلى ربِّه فهاهنا أربعة أمورٍ قدْ وقع التوسُّلُ بها : التوحيدُ ، والتنزيهُ ، والعبوديةُ ، والاعترافُ » .
﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ .
**************************************
اعتنِ بالظاهرِ والباطنِ

صفاءُ النفسِ بصفاءِ الثوبِ ، وهنا أمرٌ لطيفٌ وشيءٌ شريف ، وهو أنَّ بعض الحكماءِ يقولُ : منِ اتسخ ثوبُه ، تكدَّرتْ نفسُه . وهذا أمرٌ ظاهرٌ .
وكثيرٌ من الناسِ يأتيهِ الكَدَرُ بسببِ اتساخ ثوْبِهِ ، أو تغيُّرِ هِندامِهِ ، أو عدمِ ترتيبِ مكتبتِهِ ، أو اختلاطِ الأوراقِ عنده ، أو اضطرابِ مواعيدِه وبرنامِجِه اليوميِّ ، والكونُ بُني على النظامِ ، فمنْ عَرَفَ حقيقة هذا الدِّينِ ، علم أنه جاء لتنظيمِ حياةِ العبدِ ، قليلِها وكثيرِها ، صغيرِها وجليلِها ، وكلُّ شيءٍ عنده بحُسْبانٍ ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ . وفي حديثٍ عند الترمذيِّ : (( إنَّ الله نظيفٌ يحبُّ النظافة )) .
وعند مسلمٍ في الصحيحِ : (( إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال )) .
وفي حديثٍ حسنٍ : (( تجمَّلُوا حتى تكونوا كأنكمْ شامةٌ في عيونِ الناسِ )) .
يمشون في الحُللِ المضاعفِ نسْجُها
مشي الجمالِ إلى الجِمالِ البُزَّلِ

زأولُ الجمالِ : الاهتمامُ بالغسلِ . وعند البخاري : (( حقٌّ على المسلمِ أنْ يغتسل في كلِّ سبعةِ أيامٍ يوماً ، يغسلُ فيه رأسه وجسمهُ )) .
هذا على أقلِّ تقديرٍ . وكان بعضُ الصالحين يغتسلُ كلَّ يومٍ مرةً كعثمان بنِ عفان فيما ورد عنهُ ، ﴿ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ .
ومنها خصالُ الفطرةِ : كإعفاءِ اللحيِة وقصِّ الشاربِ ، وتقليمِ الأظافرِ ، وأخذِ الشعرِ الزائدِ من الجسمِ ، والسواكِ ، والطِّيبِ ، وتخليلِ الأسنانِ ، وتنظيفِ الملابسِ ، والاعتناءِ بالمظهرِ ، فإنَّ هذا مما يوسِّعُ الصدر ويفسحُ الخاطر . ومنها لُبسُ البياضِ ، (( البسوا البياض ، وكفِّنوا فيه موتاكمْ )) .
رقاقُ النعالِ طيّباً حُجُزاتُهم
يُحيّون بالرَّيْحانِ يوم السباسِبِ

وقد عقد البخاريُّ باب : لبسِ البياضِ : (( إنَّ الملائكة تنزلُ بثيابٍ بيضٍ عليهمْ عمائمُ بِيضٌ )) .
ومنها ترتيبُ المواعيدِ في دفترٍ صغيرٍ ، وتنظيمُ الوقتِ ، فوقتٌ للقراءةِ ، ووقتٌ للعبادةِ ، ووقتٌ للمطالعةِ ، ووقتٌ للراحة ، ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ ، ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .
في مكتبةِ الكونجرسِ لوحةٌ مكتوبٌ عليها : الكونُ بُني على النظامِ . وهذا صحيحٌ ، ففي الشرائعِ السماويةِ الدعوةُ إلى التنظيمِ والتنسيقِ والترتيبِ ، وأخبر – سبحانه وتعالى – أنَّ الكون ليس لهْواً ولا عبثاً ، وأنه بقضاءٍ وقدرٍ ، وأنه بترتيب وبحُسبانٍ : ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ . ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ . ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ . ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ .﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ . ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ{16} لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ .
﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ ﴾ :
كان حكماءُ اليونانِ إذا أرادُوا معالجة المصابِ بالأوهامِ والقلق والأمراضِ النفسيةِ : يجبرونهُ على العملِ في الفلاحة والبساتين ، فما يمرُّ وقتٌ قصير إلا وقد عادت إليه عافيته وطمأنينته ، ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ ، ﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ ﴾ .
إنَّ أهل الأعمالِ اليدويِة همْ أكثُر الناسِ راحةً وسعادةً وبسْطة بالٍ، وانظرْ إلى هؤلاءِ العمَّالِ كيف يملكون منْ البالِ وقوةِ الأجسامِ ، بسببِ حركتِهمْ ونشاطِهمْ ومزاولاتِهمْ ، ((وأعوذُ بك من العجْزِ والكسلِ )) .
*********************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:44

التْجِئ إلى الله

اللهُ : هو الاسم الجليلُ العظيمُ ، هو أعرفُ المعارفِ ، فيه معنىً لطيفٌ ، قيل : هو مِنْ أَلهَ ، وهو الذي تألهُهُ القلوبُ ، وتحبُّه ، وتسكنُ إليه ، وترضى بهِ وتركنُ إليهِ ، ولا يمكنُ للقلبِ أبداً أن يسكن أو يرتاح أو يطمئنَّ لغيرهِ سبحانه ، ولذلك علّم  فاطمة ابنتهُ دعاء الكرْبِ : (( اللهُ ، اللهُ ربي لا أشركُ به شيئاً )) . وهو حديثٌ صحيحٌ ، ﴿ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ ، ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، ﴿ وْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ﴾ .
***************************************
عليهِ توكَّلْتُ
ومنْ أعظمِ ما يُضفي السعادة على العبدِ ركونُهُ إلى ربِّه ، وتوكُّلُه عليهِ ، واكتفاؤه بولايتهِ ورعايتهِ وحراستهِ ، ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ ، ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ ، ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
**********************************
أجمعُوا على ثلاثةٍ

طالعتُ الكتب التي تعتني بمسألةِ القلقِ والاضطرابِ ، سواءٌ كانتْ لسلفِنا من محدِّثين وأدباء ومربِّين ومؤرِّخين أو لغيرِهمْ مع النشراتِ والكتبِ الشرقيةِ والغربيةِ والمترجمةِ ، والدورياتِ والمجلاَّتِ ، فوجدتُ الجميع مجمعين على ثلاثةِ أسسِ لمنْ أراد الشفاء والعافية وانشراح الصدرِ ، وهي :
الأولُ : الاتصالُ باللهِ عزَّ وجلَّ ، وعبوديتُه ، وطاعتُه واللجوءُ إليه ، وهي مسألةُ الإيمانِ الكبرى ، ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ .
الثاني : إغلاقُ ملفِّ الماضي ، بمآسيهِ ودموعِه ، وأحزانِه ومصائِبِه ، وآلامِه وهمومِه ، والبدءِ بحياةٍ جديدةٍ مع يومٍ جديدٍ .
الثالثُ : ترْكُ المستقبلِ الغائبِ ، وعدمُ الاشتغالِ بهِ والانهماكُ فيهِ ، وتركُ التوقعاتِ والانتظاراتِ والتوجُّساتِ ، وإنِّما العيشُ في حدودِ اليومِ فَحَسْبُ .
قال عليٌّ : إيَّاكمْ وطول الأملِ ، فإنَّه يُنْسِي ، ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ .
إيَّاك وتصديق الأراجيفِ والشائعاتِ ، فإنَّ الله قال عنْ أعدائِه : ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وعرفتُ أناساً منْ سنواتٍ عديدةٍ ، وهمْ ينتظرون أموراً ومصائب وحوادث وكوارث لمْ تقعْ ، ولا يزالون يُخوِّفون أنفسهم وغيرهم منها، فسبحان الله ما أنكدُ عَيْشَهمْ !! ومَثَلُ هؤلاءِ كالسجينِ المعذَّبِ عند الصينيين ، فإنهمْ يجعلونه تحت أنبوبٍ يقطُرُ على رأسِهِ قطرةً من الماءِ في الدقيقةِ الواحدةِ ، فيبقى هذا السجينُ ينتظرُ كلَّ قطرةٍ ثمَّ يصيبُه الجنونُ ، ويفقدُ عقله . وقدْ وصف اللهُ أهل النارِ فقال : ﴿ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ ، ﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ﴾ ، ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ .
****************************************
أحِلْ ظالمك على الله

إلى الدَّيانِ يوم الحشْرِ نمضي
وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ

ويكفي العبد إنصافاً وعدْلاً أنهُ ينتظرُ يوماً يجمعُ اللهُ فيهِ الأولين والآخرين ، لا ظلم في ذلك اليومِ ، والحكمُ هو اللهُ عزَّ وجلَّ ، والشهودُ الملائكةُ ، ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ .
*****************************
كسرى وعجوزٍ

ذكر بُزر جمهرُ حكيمُ فارس : أنَّ عجوزاً فارسيةً كان عندها دجاجٌ في كوخٍ مجاورٍ لقصرِ كسرى الحاكمِ ، فسافرتْ إلى قريةٍ أخرى ، فقالتْ : يا ربِّ أستودعُك الدجاج . فلمَّا غابتْ ، عدا كسرى على كوخِها ليوسع قصْره وبستانهُ ، فذبح جنودُه الدجاج ، وهدمُوا الكوخ ، فعادتِ العجوزُ فالتفتتْ إلى السماءِ وقالتْ : يا ربّ ، غبتُ أنا فأين أنت ! فأنصفها اللهُ وانتقم لها ، فعدا ابنُ كسرى على أبيه بالسكينِ فَقَتَلهُ على فراشِهِ . ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، ليتنا جميعاً نكونُ كخيْرَي ابني آدم القائلِ : ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ ﴾ . (( كنْ عبد اللهِ المقتول ، ولا تكنْ عبد الله القاتل )) ، إنَّ عند المسلمِ مبدأ ورسالةً وقضيةً أعظمُ من الانتقامِ والتشفي والحِقْدِ والكراهيةِ .
******************************************
مُرَكَّبُ النقْصِ قد يكونُ مُرَكَّبَ كمالٍ

﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ . بعضُ العباقرةِ شقُّوا طريقهم بصمودٍ لإحساسِهم بنقصٍ عارضٍ ، فكثيرٌ من العلماءِ كانوا موالي ، كعطاءٍ ، وسعيدِ بن جُبيْرٍ ، وقَتَادَةَ ، والبخاريِّ ، والترمذيِّ ، وأبي حنيفة .
وكثيرٌ منْ أذكياءِ العالمِ وبحورِ الشريعةِ أصابهُم العمى ، كابن عباسٍ ، وقتادة ، وابنِ أمِّ مكتوم ، والأعمشِ ، ويزيدِ بنِ هارون .
ومن العلماء المتأخرين : الشيخُ محمدُ بنُ إبراهيم آل الشيخ ، والشيخُ عبدُاللهِ بنُ حميد ، والشيخُ عبدُالعزيزِ بنُ بازٍ . وقرأتُ عن أذكياء ومخترعين وعباقرةٍ عَرَبٍ كان بهمْ عاهاتٌ ، فهذا أعمى ، وذاك أصمُّ وآخرُ أعوجُ ، وثانٍ مُقْعدٌ ، ومع ذلك أثَّروا في التاريخ ، وأثَّروا في حياةِ البشريةِ بالعلومِ والاختراعاتِ والكشوفِ . ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ .
ليستِ الشهادةُ العلميةُ الراقيةُ كلَّ شيءٍ ، لا تهتمَّ ولا تغتمَّ ولا تضِقْ ذرْعاً لأنك لم تنلِ الشهادة الجامعية ، أو الماجستير ، أو الدكتوراه ، فإنها ليستْ كلُّ شيء ، بإمكانِك أنْ تؤثِّرَ وأنْ تلمع وأنْ تقدّم للأمةِ خيراً كثيراً ، ولوْ لمْ تكنْ صاحب شهادةٍ علميةٍ . كمْ منْ رجلٍ شهيرٍ خطيرٍ نافعٍ لا يحملُ شهادةً ، إنما شقَّ طريقه بعصاميَّتِهِ وطموحِه وهمَّتِه وصمودِه . نظرتُ في عصرِنا الحاضرِ فرأيتُ كثيراً من المؤثِّرين في العالمِ الشرعي والدعوةِ والوعي والتربيةِ والفكرِ والأدبِ ، لم يكنْ عندهمْ شهاداتٌ عالميةٌ ، مثلُ الشيخ ابن بازِ ، ومالكِ بنِ نبيٍّ ، والعقادِ ، والطنطاوي ، وأبي زهرة ، والمودوديِّ والندويِّ ، وجمعٍ كثيرٍ .
ودونك علماء السلفِ ، والعباقرة الذين مرُّوا في القرونِ المفضَّلةِ .
نفسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصاما
وعلَّمتْهُ الكرَّ والإقداما

وعلى الضدِّ منْ ذلك آلافُ الدكاترةِ في العالمِ طولاً وعرضاً ، ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ . القناعةُ كَنْزٌ عظيمٌ ، وفي الحديثِ الصحيحِ : (( ارض بما قسم اللهُ لك تَكُنْ أغنى الناسِ )) .
ارضْ بأهلِك ، بدخْلِك ، بمرْكبِك ، بأبنائِك ، بوظيفتِك ، تجدِ السعادة والطمأنينة .
وفي الحديثِ الصحيحِ : (( الغِنى غِنى النفسِ )) .
وليس بكثرةِ العرضِ ولا بالأموالِ وبالمنصبِ، لكنَّ راحة النفسِ ، ورضاها بما قَسَمَ الله.
وفي الحديثِ الصحيحِ : ((إنَّ الله يحبُّ العبد الغنيَّ التقيَّ الخفيَّ)) . وحديثِ : ((اللهمَّ اجعلْ غناه في قلبِهِ )) .
قال أحدُهم : ركبتُ مع صاحبِ سيارةٍ من المطارِ ، متوجّهاً إلى مدينةٍ من المدنِ ، فرأيتُ هذا السائق مسروراً جذِلاً ، حامداً للهِ وشاكراً ، وذاكراً لمولاهُ ، فسألُه عن أهلِه فأخبرني أنَّ عنده أسرتين ، وأكثر منْ عشرةِ أبناءٍ ، ودخلُهُ في الشهرِ ثمانمائةِ ريالٍ فَحَسْبُ ، وعنده غُرفٌ قديمةٌ يسكنُها هو وأهلُه ، وهو مرتاح البالِ ، لأنهُ راضٍ بما قَسَمَ اللهُ لهُ .
قال : فعجبتُ حينما قارنتُ بين هذا وبين أناسٍ يملكونُ ملياراتٍ من الأموالِ والقصورِ والدورِ ، وهمْ يعيشون ضنْكاً من المعيشةِ ، فعرفتُ أن السعادة ليستْ في المالِ .
عرفتُ خَبَرَ تاجرٍ كبيرٍ ، وثريٍّ شهيرٍ عندهُ آلافُ الملايين وعشراتُ القصورِ والدورِ ، وكانَ ضيِّق الخُلُقِ ، شرس التعاملِ ثائر الطبع ، كاسف البالِ ، مات في غربةٍ عنْ أهلِه ، لأنهُ لم يَرْضَ بما أعطاهُ اللهُ إياه ، ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ{15} كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ .
منْ معالمِ راحةِ البالِ عند العربيِّ القديمِ أنْ يَخْلُو بنفسِه في الصحراءِ ، وينفرد عنِ الأحياءِ ، يقولُ أحدُهم :
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذْ عوى
وصوَّت إنسانٌ فكِدْتُ أطِيرُ

وقد خرج أبوٍّ ذر إلى الربذةِ . وقال سفيانُ الثوريَّ : ودِدْتُ أني في شِعْبٍ من الشِّعابِ لا يعرفُني أحدٌ ! وفي الحديثِ : (( يُوشِكُ أنْ يكون خَيْرَ مالِ المسلمِ : غَنَمٌ يتبعُ بها مواقع القطرِ وشعف الجبالِ ، ويفرُّ بدينِه من الفِتنِ )) .
فإذا حصلتِ الفتنُ كان الأسلمُ للعبدِ الفرار منها ، كما فعل ابنُ عُمرَ وأسامةُ بنُ زيدٍ ومحمدُ بنُ مسلمة لما قُتِل عثمانُ .
عَرفْتُ أناساً ما أصابهمُ الفقْرُ والكدرُ وضيِقُ الصَّدْرِ إلا بسببِ بُعْدِهم عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، فتجدُ أحدهم كان غنيّاً ورزقُهُ واسعاً ، وهو في عافيةٍ منْ ربِّه ، وفي خيرٍ منْ مولاه ، فأعرض عنْ طاعِة اللهِ ، وتهاون بالصلاةِ ، واقترف كبائر الذنوبِ ، فسلبَه ربُّه عافية بدنِه ، وَسَعَةَ رِزْقِهِ ، وابتلاهُ بالفقْرِ والهمِّ والغمِّ ، فأصبح منْ نكدٍ إلى نَكَدٍ ، ومنْ بلاءٍ إلى بلاءٍ ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ ، ﴿وَأَن أَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً﴾.
ودِدتُ أنَّ عندي وصفةً سحريَّة ألقيها على همومك وغمومِك وأحزانِك ، فإذا هي تلْقفُ ما يأفِكون ، لكنْ مِنْ أين لي ؟! ولكنْ سوف أخبرُك بوصفةٍ طبيَّةٍ منْ عيادةِ علماءِ الملَّةِ وروَّاد الشَّريعةِ ، وهي : اعبدِ الخالق ، وارض بالرزقِ ، وسلّمْ بالقضاءِ ، وازهدْ في الدُّنيا ، وقصَّرِ الأمل . انتهى .
عجبتُ العالِم نفسانٍّي شهيرٍ أمريكيٍّ ، اسمُهُ ( وليم جايمس ) ، هو أبو علِم النفسِ عندهم ، يقولُ : إننا نحنُ البشرُ نفكِّرُ فيما لا نملكُ ، ولا نشكرُ الله على ما نملكُ ، وننظرُ إلى الجانبِ المأسويِّ المظلمِ في حياتِنا ، ولا ننظرُ إلى الجانب المشْرقِ فيها ، ونتحسَّرُ على ما ينقصُنا ، ولا نسعدُ بما عندنا ، ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ، (( وأعوذُ باللهِ منْ نفسٍ لا تَشْبَعُ )) .
وفي الحديثِ : (( منْ أصبح والآخرةُ همُّه ، جمع اللهُ شمله ، وجَعَلَ غناه في قلبِه ، وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ ، ومنْ أصبح والدنيا همُّه ، فرَّق اللهُ عليهِ شمله ، وجعلَ فَقْرَهُ بين عيْنَيْه ، ولم يأتِه من الدنيا إلاَّ ما كٌتِب له )) . ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ .
******************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:46

وأخيراً اعترفُوا

( سخروف ) عالمٌ روسيٌ ، نُفِي إلى جزيرةِ سيبيريا ، لأفكارِه المخالفةٍ للإلحادِ ، والكفرِ باللهِ ، فكان يُنادي أنَّ هناك قوةً فاعلةً مؤثرةً في العالمِ خلاف ما يقولُه الشيوعيُّون : لا إله ، والحياةُ مادةٌ . ومعنى هذا : أنَّ النفوس مفطورةٌ على التوحيدِ . ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .
إنَّ الملحد لا مكان له هنا وهناك ؛ لأنه منكوسُ الفِطْرةِ ، خاوي الضميرِ مبتورُ الإرادةِ ، مخالفٌ لمنهجِ اللهِ في الأرضِ .
قابلتُ أستاذاً مسلماً في معهدِ الفكرِ الإسلاميِّ بواشنطن قبل سقوطِ الشيوعيةِ – أو الاتحادِ السوفيتيِّ – بسنتين ، فذكر لي هذه الآية : ﴿ َنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ وقال: سوف تتمُّ هذه الآيةُ فيهمْ: ﴿فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ، ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ﴾ ، ﴿ فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ﴾ ، ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
****************************************
لحظاتٌ مع الحمقى

للزيِّاتِ في مجلةِ ( الرسالة) كلامٌ عجيبٌ ، ومقالةٌ رائعةٌ في وصفِ الشيوعيةِ ، حينما أرسلوا سفينة الفضاءِ إلى القمرِ وعادتْ ، فكتبَ أَحَدُ روّادِها مقالاً في صحيفةِ ( البرافدا) الروسيةِ ، يقولُ فيها : صعِدْنا إلى السماءِ فلمْ نجدْ هناك إلهاً ولا جنةً ولا ناراً ولا ملائكةً .
فكتب الزيَّاتْ مقالةً فيها : « عجباً لكم أيُّها الحُمُرُ الحمْقى !! أتظنون أنكمْ سوف تَرَوْنَ ربَّكُم على عرشِهِ بارزاً ، وسوف ترون الحُور العِين في الجناتِ يمشين في الحريرِ ، وسوف تسمعون رقرقة الكوْثرِ ، وسوف تشمُّون رائحة المعذَّبين في النارِ ، إنكمْ إنْ ظننتم ذلك خسرتُم خسرانكم الذي تعيشونه ، ولكنْ لا أفسرُ ذلك التيه والضلال والانحراف والحُمْق إلا بالشيوعيةِ والإلحادِ الذي في رؤوسِكمْ . إنَّ الشيوعية يومٌ بلا غدٍ ، وأرضٌ بلا سماءٍ ، وعملٌ بلا خاتمةٍ ، وسعيٌ بلا نتيجةٍ .. » إلى آخرِ ما قال ، ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ ، ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ ، ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ ، ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ ، ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ .
ومن كلامِ العقادِ في كتابِ ( مذاهبُ ذوي العاهاتِ ) ، وهو ينهدُ غاضباً على هذهِ الشيوعيةِ ، وعلى هذا الإلحادِ السخيفِ الذي وقع في العالمِ ، كلامٌ ما معناه : إنَّ الفطرة السويَّة تقبلُ هذا الدين الحقَّ ، دين الإسلامِ ، أما المعاقون عقلياً والمختلفون وأهلُ الأفكارِ العفِنةِ القاصرةِ ، فإنها يمكنُ أنْ ترتكب الإلحاد . ﴿ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .
إنَّ الإلحاد ضربةٌ قاصمةٌ للفكرِ ، وهو أشبهُ بما يُحدِّثُه الأطفالُ في عالمِهم ، وهو خطيئةٌ ما عَرَفَ الدهرُ أكبر منها خطيئةً . ولذلك قال اللهُ سبحانه وتعالى: ﴿ أَفِي اللّهِ شَكٌّ....﴾ !!
يعني : أنَّ الأمر لا شكَّ فيه ، وهو ظاهرٌ . بلْ ذكر ابنُ تيمية : أن الصانع - يعني : الله سبحانه وتعالى – لم ينكرْه أحدٌ في الظاهِرِ إلا فرعونُ ، مع العلمٍ أنهُ معترفٌ به في باطنِه ، وفي داخلهِ ، ولذلك يقولُ موسى : ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ ، ولكنَّ فرعون في آخر المطافِ صرخ بما في قلبِه : ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ .
**************************************
الإيمانُ طريقُ النجاةِ

في كتابِ ( اللهُ يتجلَّى في عصرِ العلمِ ) ، وكتاب ( الطبُّ مِحْرابُ الإيمانِ ) حقيقةٌ وهي : وجدتُ أنَّ أكثر مُعين للعبدِ في التخلُّص منْ همومِه وغمومِه ، هو الإيمانُ باللهِ عزَّ وجلّ، وتفويضُ الأمرِ إليه ، ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ﴾ ، ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ .
منْ يعلمْ أنَّ هذا بقضاءٍ وقدرٍ ، يهدِ قلبه للرضا والتسليمِ أو نحو ذلك ، ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وأعلمُ أني لم تُصِبْني مصيبةٌ
مِن الله إلا قدْ أصابتْ فتىً قبلي


إن كُتَّاب الغربِ اللامعِين ، مثل ( كرسي مريسون ) ، و ( ألكس كاريل ) ، و ( دايل كارنيجي ) ، يعترفون أنَّ المنقذ للغربِ الماديِّ المتدهورِ في حياتهم إنما هو الإيمانُ باللهِ عزَّ وجلَّ ، وذكروا أنَّ السبب الكبير والسرَّ الأعظم في حوادثِ الانتحاراتِ التي أصبحتْ ظاهرةً في الغربِ ، إنّما هو الإلحادُ والإعراضُ عنِ الله – عزَّ وجلَّ – ربِّ العالمين ، ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ ، ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ .
ذكرتْ جريدةُ ( الشرق الأوسط ) في عددها بتاريخ 21/ 4/ 1415 هـ ، نقلاً عنْ مذكراتِ عقيلةِ الرئيسِ الأمريكيِّ السابقِ ( جورج بوش ) : أنَّها حاولتِ الانتحار أكثر منْ مرةٍ ، وقادتِ السيارة إلى الهاويةِ تطلبُ الموت مظانَّهُ ، وحاولتْ أنْ تختنق .
لقدْ حضر قزمانُ معركة أُحدٍ يقاتلُ فيها مع المسلمين فقاتلُ قتالاً شديداً . قال الناسُ : هنيئاً له الجنةُ . فقال  : ((إنهُ منْ أهلِ النارِ))!! فاشتدتْ به جراحُه فلم يصبرْ ، فَقَتَلَ نفسه بالسيفِ فمات، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾.
وهذا معنى قولِهِ سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ .
إنَّ المسلم لا يقدمُ على مثلِ هذهِ الأمورِ ، مهما بلغتْ الحالُ . إنَّ ركعتين بوضوءٍ وخشوعٍ وخضوعٍ كفيلتان أنْ تُنهيا كلَّ هذا الغمِّ والكدرِ والهمِّ والإحباطِ ، ﴿ وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ .
إنَّ القرآن يتساءلُ عنْ هذا العالمِ ، وعنِ انحرافِه وضلالِه فيقولُ : ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ؟! ما هو الذي يردُّهمْ عنِ الإيمانِ، وقدْ وضُحتِ المحجةُ ، وقامتِ الحجةُ، وبان الدليلُ ، وظهر الحقُّ ، وسطع البرهانُ. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ، يتبينُ لهمْ أنَّ محمداً  صادقٌ ، وأنَّ الله إلهٌ يستحقُّ العبادة ، وأنَّ الإسلام دينٌ كاملٌ يستحقُّ أنْ يعتنقه العالمُ ، ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
******************************
حتى الكُفَّارُ درجاتٌ

في مذكراتِ الرئيسِ ( جورج بوش ) بعنوان ( سيرةٌ إلى الأمامِ ) : ذكر أنَّه حضر جنازة برجنيف ) ، رئيسِ الاتحادِ السوفيتيِّ في موسكو ، قال فوجدتُها جنازةً مظلمةً قاتمةً ، ليس فيها إيمانٌ ولا روحٌ . لأنّ (بوش ) نصرانيٌّ وأولئك ملاحدةٌ ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ﴾ . فانظرْ كيف أدرك هذا مع ضلالِهِ انحراف أولئك ، لأنَّ الأمر أصبح نسبيّاً فكيف لو عَرَف بوش الإسلام ، دين اللهِ الحقِّ ؟! ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ .
وذكَّرني هذا بمقالةٍ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية ، وهو يتحدَّثُ عن أحدِ البطائحيةِ ( الفرقِ الضالًّةِ الصوفيةِ المنحرفةِ ) . يقولُ هذا البطائحيُّ لابنِ تيمية : ما لكمْ يا ابن تيمية إذا جئْنا إليكمْ – يعني أهل السنةِ – بارتْ كرامتُنا وبطلتْ ، وإذا ذهبْنا إلى التتِر المغولِ الكفارِ ظهرتْ كرامتُنا؟ قال ابنُ تيمية : أتدري ما مثلُنا ومثلُكُم ومثَلُ التتارِ ؟ أما نحنُ فخيولٌ بيضٌ ، وأنتم بُلْقٌ ، والتترُ سُودٌ ، فالأبلقُ إذا دخل بين السودِ أصبح أبيض ، وإذا خالط البض أصبح أسود ، فأنتمْ عندكمْ بقيةٌ منْ نورٍ ، إذا دخلتمْ مع أهلِ الكفرِ ظَهَرَ هذا النورُ وإذا أتيتُم إلينا ونحنُ أهل النورِ الأعظمِ والسنة ، ظهر ظلامُكم وسوادُكم ، فهذا مثلكُم ومثلُنا ومثلُ التتارِ . ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
**********************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:46

إرادةٌ فولاذيةٌ

ذهب طالبٌ منْ بلادِ الإسلامِ يدرسُ في الغربِ ، وفي لندن بالذاتِ ، فسكن مع أسرةٍ بريطانيةٍ كافرةٍ ، ليتعلَّم اللغة ، فكان متديِّناً وكان يستيقظُ مع الفجرِ الباكرِ ، فيذهبُ إلى صنبورِ الماءِ ويتوضأُ ، وكان ماءً بارداً ، ثمَّ يذهبُ إلى مصلاَّهُ فيسجدُ لربِّه ويركعُ ويسبحُ ويَحْمَدُ ، وكانتْ عجوزٌ في البيتِ تلاحظهُ دائماً ، فسألتْه بعد أيامٍ : ماذا تفعلُ ؟ قال : أمرني ديني أنْ أفعل هذا . قالتْ : فلو أخَّرْت الوقت الباكر حتى ترتاح في نومِك ثمَّ تستيقظ . قال : لكنَّ ربي لا يقبلُ منِّي إذا أخّرتُ الصلاة عن وقتِها . فهزَّتْ رأسها ، وقالتْ : إرادةٌ تكسرُ الحديد !! ﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾ .
إنِّها إرادةُ الإيمانِ ، وقوةُ اليقينِ ، وسلطانُ التوحيدِ . هذهِ الإرادةُ هي التي أوحتْ إلى سحرةِ فرعون وقدْ آمنوا باللهِ ربِّ العالمين في لحظةِ الصراعِ العالميِّ بين موسى وفرعون ، قالوا لفرعون : ﴿ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾ . وهو التحدّي الذي ما سُمع بمثلِهِ ، وأصبح عليهمْ أنْ يؤدُّوا هذه الرسالة في هذه اللحظةِ ، وأنْ يبلِّغوا الكلمة الصادقة القوية إلى هذا الملحدِ الجبارِ .
لقدْ دخل حبيبُ بنُ زيدٍ إلى مسيلمة يدعوه إلى التوحيدِ ، فأخذ مسيلمةُ يقطعُهُ بالسيفِ قطعةً قطعةً ، فما أنَّ ولا صاح ولا اهتزَّ حتى لقي ربَّ شهيداً ، ﴿ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ .
ورُفع خُبيبُ بنُ عديٍّ على مشنقةِ الموتِ ، فأنشد :
ولستُ أبالي حين أُقتلُ مسلماً
على أيِّ جنبٍ كان في اللهِ مصرعي

**************************************
فطرة اللهِ

إذا اشتدَّ الظلامُ وزمجر الرَّعْدُ وقصفتِ الريحُ، استيقظتِ الفطرةُ. ﴿جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . غَيْرَ أنَّ المسلم يدعو ربَّه في الشدَّةِ والرخاءِ ، والسراءِ والضراءِ : ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ{143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ . إنَّ الكثير يسألُ الله وقت حاجتِه وهو متضرِّعٌ إلى ربِّه ، فإذا تحقَّق مطلبُه أعرض ونأى بجانبِه ، واللهُ عزَّ وجلَّ لا يُلعبُ عليه كما يُلعبُ على الولدانِ ، ولا يُخادعُ كما يُخادعُ الطفلُ ، ﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ . إنَّ الذين يلتجئون إلى اللهِ في وقتِ الصَّنائعِ ما همْ إلا تلاميذٌ لذاك الضالِّ المنحرفِ فرعون ، الذي قيل لهُ بعد فواتِ الأوانِ : ﴿ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ .
سمعتُ هيئة الإذاعةِ البريطانيةِ تُخبرُ حين احتلَّ العراقُ الكويت : أن تاتشر رئيسة الوزراءِ البريطانية السابقة كانت في ولايةِ كلورادو الأمريكيةِ ، فلما سمعتِ الخبر هُرِعتْ إلى الكنيسةِ وسجدتْ !
ولا أفسرُ هذه الظاهرة إلا باستيقاظِ الفطرةِ عند مِثْلِ هؤلاءِ إلى فاطرِها عزَّ وجلَّ ، مع كفرِهم وضلالِهم ، لأنَّ النفوس مفطورةٌ على الإيمانِ بهِ تعالى : (( كلُّ مولودِ يُولدُ على الفطرةِ ، فأبواهُ يهوِّدانِهِ أو ينصِّرانِه أو يمجِّسانِهِ )) .
**********************************************
لا تحزنْ على تأخُّر الرِّزقِ ، فإنِّه بأجلٍ مسمّىً

الذي يستعجلُ نصيبه من الرِّزقِ ، ويبادرُ الزمن ، ويقلقُ منْ تأخُّرِ رغباتِه ، كالذي يسابقُ الإمام في الصلاةِ ، ويعلُم أنَّه لا يسلِّمُ إلا بعْد الإمام! فالأمورُ والأرزاقُ مقدَّرةٌ ، فُرِغ منها قبل خلْقِ الخليقةِ ، بخمسين ألف سنةٍ ، ﴿ أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ .
يقولُ عمرُ : « اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من جلدِ الفاجرِ ، وعجزِ الثقةِ » . وهذهِ كلمةٌ عظيمةٌ صادقةٌ . فلقدْ طُفْتُ بفكري في التاريخِ ، فوجدتُ كثيراً منْ أعداءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، عندهمْ منْ الدَّأبِ والجلدِ والمثابرةِ والطُّموحِ : العَجَبَ العُجابَ . ووجدتُ كثيراً من المسلمين عندهمْ من الكسلِ والفتورِ والتَّواكُلِ والتَّخاذُلِ : ما اللهُ به عليمٌ ، فأدركتُ عُمْق كلمةِ عُمَرَ – رضي اللهُ عنه - .
*****************************************
انغمسْ في العملِ النافعِ

أنَّ الوليد بن المغيرةِ وأُمية بن خَلَفٍ والعاص بن وائل أنفقوا أموالهم في محاربةِ الرسالةِ ومجابهةِ الحقِ ﴿ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ . ولكنَّ كثيراً من المسلمين يبخلون بأموالِهمْ ، لئلاَّ يُشاد بها منارُ الفضيلةِ ، ويُبنى بها صرحُ الإيمانِ ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، وهذا جَلَدُ الفاجِر وعجْزُ الثقةِ .
في مذكّراتِ ( جولدا مائير ) اليهوديةِ ، بعنوان ( الحقد ) : فإذا هي في مرحلةٍ منْ مراحلِ حياتِها تعملُ ستَّ عشرة ساعةً بلا انقطاعٍ ، في خدمةِ مبادئِها الضّالَّةِ وأفكارِها المنحرفةِ ، حتى أوجدتْ مع ( بن جوريون ) دولةً ، ومنْ شاء فلينظُرْ كتابها .
ورأيتُ ألوفاً منْ أبناءِ المسلمين لا يعملون ولو ساعةً واحدةً ، إنما همْ في لهو وأكلٍ وشُربٍ ونومٍ وضياعٍ ﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ﴾ .
كان عمرُ دؤوباً في عمله ليلاً ونهاراً ، قليل النوم . فقال أهلُه : ألا تنامُ ؟ قال : لو نمتُ في اللّيلِ ضاعتْ نفْسِي ، ولو نمتُ في النهارِ ضاعتْ رعيَّتِي .
في مذكراتِ الهالكِ ( موشى ديان ) بعنوان ( السيفُ والحكمُ ) : كان يطيرُ من دولةٍ إلى دولةٍ ، ومنْ مدينةٍ إلى مدينةٍ ، نهاراً وليلاً ، سرّاً وجهراً ، ويحضرُ الاجتماعاتِ ، ويعقدُ المؤتمراتِ ، وينسِّقُ الصَّفقاتِ ، والمعاهدات ، ويكتبُ المذكّراتِ . فقلتُ : واحسرتاهُ ، هذا جَلَدُ إخوانِ القردةِ والخنازيرِ ، وذاك عَجْزُ كثيرٍ من المسلمين ، ولكنْ هذا جلدُ الفاجرِ وعَجْزُ الثقةِ .
لو كنتُ منْ مازنٍ لم تستبِحْ إبِلي
بنو اللَّقطيةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شيْبانا

لقدْ حارب عمرُ العطالة والبطالة والفراغ ، وأخرج شباباً سكنوا المسجد ، فضربهم وقال : اخرجوا واطلبوا الرِّزق ، فإنَّ السماء لا تمطرُ ذهباً ولا فضةً . إنَّ مع الفراغ والعطالةِ : الوساوس والكدَرَ والمرضَ النفسيَّ والانهيارً العصبيَّ والهمَّ والغمَّ . وإنَّ مع العملِ والنشاطِ : السرور والحُبُور والسعادة . وسوف ينتهي عندنا القلقُ والهمُّ والغمُّ ، والأمراضُ العقليَّةُ والعصبيَّةُ والنفسيَّةُ إذا قام كلٌّ بدورِهِ في الحياةِ ، فعُمِلتِ المصانعُ ، واشتغلتِ المعاملُ ، وفتحتِ الجمعيّاتُ الخيريَّةُ والتعاونيَّةُ والدعويَّةُ ، والمخيماتُ والمراكزُ والمُلتقياتُ الأدبيَّةُ ، والدَّوراتُ العلميَّةُ وغَيْرُها .. ﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ ﴾ ، ﴿ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، ﴿ سَابِقُوا﴾ ، ﴿وَسَارِعُواْ﴾ ، (( وإن نبيَّ اللهِ داود كان يأكلُ من عملِ يدِه )) .
وللرّاشدِ كتابٌ ، بعنوان ( صناعةُ الحياةِ ) ، تحدَّث عنْ هذهِ المسالةِ بإسهابٍ ، وذَكَرَ أنَّ كثيراً من الناسِ لا يقومون بدورِهم في الحياةِ .
وكثيرٌ من الناسِ أحياءٌ ، ولكنَّهم كالأمواتِ ، لا يُدركون سرَّ حياتِهم ، ولا يُقدمون لمستقبلهم ولا لأُمَّتِهمْ ، ولا لأنفسِهم خيراً ﴿ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ ﴾ ، ﴿ لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ .
إنَّ المرأة السوداء التي كانتْ تقُمُّ مسجد الرسول  قامتْ بدورِها في الحياةِ ، ودخلتْ بهذا الدَّورِ الجنة ﴿ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ .
وكذلك الغلامُ الذي صَنَعَ المِنْبر للرسولِ  أدَّى ما عليهِ ، وكسب اجراً بهذا الأمرِ ، لأنَّ موهلته في النّجارةِ ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ﴾ .
سمحتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيَّةُ عام 1985 م بدخولِ الدُّعاةِ المسلمين سجون أمريكا ، لأنَّ المجرمين والمروِّجين والقَتَلَةَ ، إذا اهتدَوْا إلى الإسلامِ ، أصبحوا أعضاءً صالحين في مجتمعاتِهمْ ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾ .
دعاءانِ اثنانِ عظيمانِ ، نافعانِ لمنْ أراد السَّداد في الأمورِ وضبْطِ النفسِ عند الأحداثِ والوقائعِ .
الأولُ : حديثُ عليٍّ ، أنَّ الرسول  قال لهُ : (( قُلْ : اللهمَّ اهدنِي وسدِّدْني )) . رواهُ مسلمٌ .
الثاني : حديثُ حُصيْن بن عبيدٍ ، عند أبي داود : قال له  : (( قلْ : اللَّهمَّ ألهمني رُشدْي ، وقِني شرَّ نَفَّسي )) .
إذا لمْ يكنْ عونٌ من اللهِ للفتى
فأكثرُ ما يجني عليه اجتهادُهُ

التَّعلُّقُ بالحياة ، وعشْقُ البقاءِ ، وحبُّ العيْشِ ، وكراهِيَةُ الموتِ ، يُوردُ العبدَ : الكدَرَ وضِيقَ الصَّدرِ والمَلَقَ والقلق والأرق والرَّهق ، وقد لام الله اليهود على تعلُّقِهم بالحياةِ الدنيا ، فقال : ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
وهنا قضايا ، منها : تنكيرُ الحياةِ ، والمقصودُ : أنَّها أيَّ حياةٍ ، ولو كانتْ حياة البهائمِ والعجْماواتِ ، ولو كانتْ شخصيةً رخيصةً فإنَّهمْ يحرصون عليها .
ومنها : اختيارُ لفظِ : ألفِ سنةٍ لأنَّ اليهوديَّ كان يلقى اليهوديَّ فيقولُ لهُ : عِمْ صباحاً ألف سنةٍ . أي : عِشْ ألف سنةٍ . فذكر سبحانهُ وتعالى أنهمْ يريدون هذا العمر الطويل ، ولكنْ لو عاشوهُ فما النهايةُ ؟! مصيرُهم إلى نارٍ تلظَّى ﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ﴾ .
منْ أحسنِ كلماتِ العامةِ : لا همَّ واللهُ يُدْعى .
والمعنى : أنَّ هناك إلهاً في السماءِ يُدعى ، ويُطلبُ منهُ الخيْرُ ، فلماذا تهتمّ أنت في الأرضِ ، فإذا وكَّلت ربَّك بهمِّك ، كشَفَه وأزاله ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ ، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ .

أخلِقْ بذي الصَّبرِ أنْ يحظى بحاجتِهِ
ومُدْمِنِ القرْعِ للأبوابِ أن يلِجا


**************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:48

في حياتِك دقائقُ غاليةٌ

رأيتُ موقفيْنِ مُؤثِّريْنِ مُعبِّريْنِ للشيخِ علي الطنطاويِّ في مذكّراتهِ :
الموقفُ الأولُ : تحدَّثَ عن نفسِه وكاد يغرقُ على شاطئِ بيروت ، حينما كان يسبحُ فأشرف على الموتِ ، وحُمِل مَغْمِيّاً عليهِ ، وكان في تلك اللحظاتِ يُذعِنُ لمولاهُ ، ويودُّ لو عادَ ولو ساعةً إلى الحياةِ ، ليجدِّد إيمانه وعملهُ الصّالح ، فيَصلِ الإيمانُ عنده منتهاه .
والموقفُ الثاني : ذَكَرَ أنه قدِم في قافلةٍ منْ سوريا إلى بيتِ اللهِ العتيقِ، وبينما هو في صحراءِ تبوك ضلُّوا وبَقُوا ثلاثة أيام ، وانتهى طعامُهُم واشرابُهُم ، وأشرفوا على الموتِ ، فقام وألقى في الجموعِ خطبة الوداعِ من الحياةِ ، خطبةً توحيديَّة حارَّةً رنَّانة ، بكى وأبكى الناس ، وأحسَّ أنَّ الإيمان ارتفع ، وأنه ليس هناك مُعينٌ ولا مُنقذٌ إلا اللهُ جلَّ في علاه ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ .
يقولُ سبحانهُ وتعالى : ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ .
إنَّ الله يحبُّ المؤمنين الأقوياء الذين يتحدَّون أعداءهم بصبرٍ وجلادةٍ ، فلا يهِنون ، ولا يُصابون بالإحباطِ واليأسِ ، ولا تنهارُ قواهُم ، ولا يستكينون للذِّلَّةِ والضعْفِ والفشلِ ، بل يصمُدون ويُواصلون ويُرابطون ، وهي ضريبةُ إيمانِهم بربِّهم وبرسولِهمْ وبدينِهمْ (( المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ والضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ )) .
جُرحتْ أُصْبُعُ أبي بكرٍ – رضي اللهُ عنهُ – في ذاتِ اللهِ فقال :

هلْ أنتِ إلا إصْبَعٌ دَمِيتِ
وفي سبيلِ الله ما لقِيتِ


ووضع أبو بكرٍ إصبعهُ في ثَقْبِ الغارِ ليحمي بها الرسول  من العقربِ ، فلُدغ ، فقرأ عليها  فبرئتْ بإذِن اللهِ .
قال رجلٌ لعنترة : ما السِّرُّ في شجاعتِك ، وأنك تغِلبُ الرِّجال ؟ قال : ضعْ إصبعك في فمي ، وخُذ إصبعي في فمك . فوضعها في فمِ عنترة ، ووضَعَ عنترةُ إصبعه في فمِ الرَّجلِ ، وكلٌّ عضَّ إصبع صاحبِه ، فصاح الرجلُ من الألم ، ولم يصبرْ فأخرجَ له عنترةُ إصبعه ، وقال : بهذا غلبتُ الأبطال . أي بالصَّبرِ والاحتمالِ .
إنَّ ممَّ يُفرحُ المؤمن أن لُطفَ اللهِ ورحمته وعفوه قريبٌ منه، فيشعرُ برعايةِ اللهِ وولايتِهِ بحسبِ إيمانِهِ . والكائناتُ والأحياءُ والعجماواتُ والطيورُ والزواحفُ تشعرُ بأنَّ لها ربّاً خالِقاً ورازقاً ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .

يا ربّ حمداً ليس غيرُك يُحمدُ
يا منْ لهُ كُلُّ الخلائِقِ تصْمدُ


عندنا ، العامَّةُ وَقْتَ الحرْثِ يرمون الحبَّ بأيديهمْ في شقوقِ الأرضِ ، ويهتفون : حبٌّ يابسٌ ، في بلدٍ يابسٍ ، بين يديك يا فاطر السماوات والأرضِ ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ{63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ . إنَّها نزعةُ توحيدِ البري ، وتوجُّهُ إليهِ ، سبحانه وتعالى .
قام الخطيبُ المِصْقعُ عبدُالحميدِ كشكُ – وهو أعمى – فلمَّا علا المِنْبرَ ، أخرج منْ جيبهِ سعفة نخلٍ ، مكتوبٌ عليها بنفسِها : اللهُ ، بالخطِّ الكوفيِّ الجميلِ ، ثم هَتَفَ في الجموعِ :

انظُرْ لتلك الشَّجرهْ

ذاتِ الغُصُونِ النَّضِرهْ

منِ الذي أنبتها


وزانها بالخضِرهْ

ذاك هو اللهُ الذي

قُدرتُه مُقْتدِرهْ

فأجْهش الناسُ بالبكاءِ .
إنهُ فاطرُ السماواتِ والأرضِ مرسومةٌ آياتُه في الكائناتِ ، تنطقُ بالوحدانيَّةِ والصَّمديةِ والربوبيَّةِ والألوهيَّةِ ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ .
منْ دعائمِ السرورِ والارتياحِ ، أنْ تشْعُرَ أنَّ هناك ربّاً يرحمُ ويغفرُ ويتوبُ على منْ تاب ، فأبشِرْ برحمةِ ربِّك التي وسعتِ السماواتِ والأرض ، قال سبحانه : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ، وما أعظم لطفهُ سبحانه وتعالى ، وفي حديثٍ صحيحٍ : أنَّ أعرابيّاً صلًّى مع رسولِ اللهِ  ، فلمَّا أصبح في التَّشهُّدِ قال : اللهمَّ ارحمني ومحمداً ، ولا ترحمْ معنا أحداً . قال  : (( لقدْ حجرت واسعاً )) . أي : ضيَّقت واسعاً ، إنَّ رحمة الهِ وسعتْ كلَّ شيءٍ ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾ ، (( اللهُ أرحمُ بعبادِهِ منْ هذهِ بولدِها )) .
أحرق رجلٌ نفسه بالنارِ فراراً منْ عذابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فجمعه سبحانه وتعالى وقال له: (( يا عبْدِي ، ما حَمَلَك على ما صنعت ؟ قال : يا ربِّ ، خِفْتُك ، وخشيتُ ذنوبي . فأدخلهُ اللهُ الجنّة )) . حديثٌ صحيحٌ .
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ .
حاسب اللهُ رجلاً مُسرفاً على نفسِه موحِّداً، فلمْ يجدْ عندهُ حسَنَةً ، لكنَّه كان يُتاجرُ في الدنيا، ويتجاوزُ عنِ المُعْسِرِ، قال اللهُ: نحنُ أولْى بالكرمِ منك ، تجاوزوا عنهُ. فأدخله اللهُ الجنّة .
﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ ، ﴿ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾ .
عند مسلمٍ : أنّ الرسول  صلَّى بالناسِ ، فقام رجلٌ فقال : أصبْتُ حدّاً ، فأقِمْهُ عليَّ . قال : (( أصليت معنا ؟ )) . قال : نعمْ . قال . (( اذهبْ فقد غُفِر لك )) .
﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
هناك لُطفٌ خفيٌّ يكْتنف العبدَ ، مِنْ أمامِهِ ومنْ خلفه ، وعن يمينهِ وعنْ شمالِهِ ، ومِنْ فوقِه ومنْ تحتِ قدميْهِ ، صاحبُ اللُّطفِ الخفيِّ هو اللهُ ربُّ العالمين ، انطبقتْ عليهمُ الصَّخْرةُ في الغارِ ، وأنْجى إبراهيم من النارِ ، وأنجى موسى من الغرقِ ، ونُوحاً من الطُّوفانِ ، ويوسف من الجُبِّ وأيوب من المرضِ .
***************************************
وقفــة

عن أمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالتْ : سمعتُ رسول اللهِ  يقولُ : (( ما منْ مسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ ، فيقولُ ما أمره اللهُ : ﴿ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾ اللَّهمَّ اجُرْني في مصيبتي وأخلفْ لي خيراً منْها ؛ إلاَّ أخلف اللهُ لهُ خيراً منْها )) .
قال الشاعرُ :
خليليَّ لا واللهِ ما مِنْ مُلِمَّةٍ

تدُومُ على حيٍّ وإنْ هِي جلَّتِ

فإنْ نزلتْ يوماً فلا تخْضَعَنْ لها


ولا تُكثِر الشَّكْوى إذا النَّعلُ زلَّتِ

فكمْ مِنْ كريمٍ قدْ بُليْ بنوائبٍ



فصابرها حتى مضتْ واضمحلَّتِ

وكانتْ على الأيامِ نفسي عزيزةً


فلمَّا رأتْ صبري على الذُّلِّ ذلَّتِ

وقال آخر :
يضيقُ صدري بغمٍّ عند حادِثةٍ

ورُبَّما خِير لي في الغمِّ أحيانا

ورُبَّ يومٍ يكونُ الغمُّ أوَّلهُ


وعند آخرِه روْحاً وريْحانا

ما ضِقتُ ذرْعاً عند نائِبةٍ

إلاَّ ولي فرجٌ قد حلَّ أوْ حانا

********************************
الأفعالُ الجميلةُ طريقُ السعادةِ

رأيتُ في أوّلِ ديوانِ حاتمٍ الطّائيِّ كلمةً جميلةً لهُ ، يقولُ فيها : إذا كان تركُ الشَّرِّ يكفيك ، فدَعْهُ .
ومعناهُ : إذا كان يسع السُّكوتُ عنِ الشَّرِّ واجتنابُه ، فحسبُه بذلك ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، ﴿ وَدَعْ أَذَاهُمْ ﴾ .
محبَّةُ للناسِ موهبةٌ ربَّانيَّةٌ ، وعطاءٌ مباركٌ من الفتَّاحِ العليمِ .
يقول ابنُ عباسٍ متحدِّثاً بنعمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ : فيَّ ثلاثُ خصالٍ : ما نزل غيثٌ بأرضٍ ، إلاَّ حمدتُ الله وسُررتُ بذلك ، وليس لي فيها شاةٌ ولا بعيرٌ . ولا سمعتُ بقاضٍ عادلٍ ، إلاَّ دعوتُ الله له ، وليس عنده لي قضيَّةٌ . ولا عَرَفتُ آيةً منْ كتابِ اللهِ ، إلاَّ ودِدتُ أنَّ الناس يعرفون منها ما أعرفُ .
إنه حُبُّ الخيرِ للناسِ ، وإشاعةُ الفضيلةِ بينهمْ وسلامةُ الصَّدرِ لهمْ ، والنَّصْحُ كلُّ النصحِ للخليقةِ .
يقولُ الشاعرُ :
فلا نزلتْ علىَّ ولا بأرضي
سحائِبُ ليس تنْتَظِمُ البلادا

المعنى : إذا لم تكنِ الغمامةُ عامَّةً ، والغيْثُ عامّاً في الناسٍ ، فلا أريدُها أنْ تكون خاصَّةً بي، فلستُ أنانيّاً ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
ألا يُشجيك قوْلُ حاتمٍ ، وهو يتحدَّثُ عنْ رُوحِه الفيَّاضةِ ، وعن خلقِهِ الجمِّ :
أما والذي لا يعلمُ الغيب غيرُهُ


ويُحْيي العِظام البيض وهْي رميمُ


لقدْ كنتُ أطوِي البطن والزَّادُ يُشتهى

مخافة يومٍ أن يُقالَ لئيمُ

****************************************
العِلْمُ النافعُ والعلمُ الضَّارّ

لِيهْنِك العِلْمُ إذا دلَّك على اللهِ . ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ﴾ . إنَّ هناك علماً إيمانيّاً ، وعلماً كافراً ، يقولُ سبحانه وتعالى عنْ أعدائِهِ : ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ . ويقول عنهم : ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ ﴾ . ويقولُ عنهم ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ .... ﴾ . ويقولُ جلَّ وعلا : ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ{175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ . وقال سبحانه وتعالى عنِ اليهودِ وعنْ علمِهم : ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ : إنَّه علمٌ لكنَّه لا يهدي ، وبرهانٌ لا يشفي ، وحجَّةٌ ليستْ قاطعةً ولا فالجِةً ، ونَقْلٌ ليس بصادِقٍ ، وكلامٌ ليس بحقٍّ ، ودلالةٌ ولكن إلى الانحرافِ ، وتوجُّهٌ ولكن إلى غيٍّ ، فكيف يجدُ أصحابُ هذا العلمِ السعادة ، وهمْ أوَّلُ منْ يسحقُها بأقدامِهم : ﴿ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ ، ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
رأيتُ مئاتِ الألوفِ من الكتبِ الهائلةِ المذهلةِ في مكتبةِ الكونجرس بواشنطن، في كلِّ فنٍّ ، وفي كلِّ تخصُّصٍ ، عنْ كلِّ جيلٍ وشعبٍ وأُمةٍ وحضارةٍ وثقافةٍ ، ولكنَّ الأمة التي تحتضنُ هذه المكتبة العظمى ، أُمَّةٌ كافرةٌ بربِّها ، إنها لا تعلمُ إلا العالم المنظور المشهود ، وأمّا ما وراء ذلك فلا سمْع ولا بَصَرَ ولا قلْبَ ولا وَعْيَ ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
إن الرَّوضَ أخْضَرُ ، ولكنَّ العنْزَ مريضةٌ ، وإنَّ التَّمْرَ مقفزيٌّ ، ولكنّ البُخل مرْوزِيٌّ ، وإن الماء عذْبٌ زُلالٌ ، ولكن في الفم مرارةً ﴿ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ . ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .
***************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالخميس أبريل 17 2008, 16:49

أكْثِرْ من الاطِّلاعِ والتَّأمُّلِ

إنَّ ممَّا يشرحُ الصدر : كثْرةُ المعرفةِ ، وغزارةُ المادّةِ العلميَّةِ ، واتِّساعُ الثقافةِ ، وعُمقُ الفكرِ ، وبُعدُ النَّظْرةِ ، وأصالةُ الفهْمِ ، والغوْصُ على الدليلِ ، ومعرفةُ سرِّ المسألةِ ، وإدراكُ مقاصدِ الأمورِ ، واكتشافُ حقائقِ الأشياءِ ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾ ، ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ﴾ . إنَّ العالِم رحْب الصدرِ ، واسع البالِ ، مطمئنّ النفْسِ ، منشرحُ الخاطرِ ..
يزيدُ بكثْرةِ الإنفاقِ منهُ
وينقصُ إنْ به كفّاً شددْتا

يقولُ أحد مفكَّري الغربِ : لي ملفٌّ كبيرٌ في درجِ مكتبي ، مكتوبٌ عليه : حماقاتٌ ارتكبتُها ، أكتبُه لكلِّ سقطاتِ وتوافه وعثراتٍ أُزاولُها في يومي وليلتي ، لأتخلَّص منها .
قلت : سبقك علماءُ سلفِ هذه الأُمَّةِ بالمُحاسبةِ الدقيقةِ والتَّنْقيبِ المُضني لأنفسِهم ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ .
قال الحسنُ البصريُّ : المسلمُ لنفسِهِ أشدُّ مُحاسَبَةً من الشريكِ لشريكِهِ .
وكان الربيعُ بنُ خُثيْمٍ يكتُبُ كلامهُ من الجمعةِ إلى الجمعةِ ، فإنْ وَجَدَ حسنةً حمِد الله ، وإنْ وَجَدَ سيِّئةً استغفر .
وقال أحدُ السلفِ : لي ذنبٌ منْ أربعين سنةً ، وأنا أسألُ الله أنْ يغفرهُ لي ، ولا زلتُ أُلحُّ في طلبِ المغفرةِ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ .
********************************
حاسِبْ نَفْسَكَ

احتفظِ بمذكّرةٍ لديك ، لتُحاسب بها نفْشك ، وتذكر فيها السلبيَّاتِ الملازمة لك ، وتبدأ بذكْر التَّقدُّمِ في معالجتِها .
قال عمرُ : حاسِبوا أنفُسكُمْ قبل أنْ تُحاسبوا ، وزِنُوها قبل أن تُوزنوا ، وتزيَّنوا للعرضِ الأكبرِ .
ثلاثةُ أخطاءٍ تتكرَّرُ في حياتِنا اليومية :
الأولُ : ضياعُ الوقتِ .
الثاني : التَّكلُّمُ فيما لا يعني : (( مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركهُ ما لا يعنيهِ )) .
الثالثُ : الاهتمامُ بتوافِهِ الأمورِ ، كسماعِ تخويفاتِ المُرجِفين ، وتوقُّعاتِ المثبِّطين ، وتوهُّماتِ المُوسوسِين ، كَدَرٌ عاجلٌ ، وهمٌّ معجَّلٌ ، وهو منْ عوائقِ السعادةِ وراحةِ البالِ .
يقولُ امرؤُ القيسِ :
ألا عِمْ صباحاً أيها الطَّللُ البالي

وهلْ يعِمنْ منْ كان في العُصُر الخالي

وهلْ يعِمنْ إلا سعيدٌ منعَّمٌ

قليلُ الهموم لا يبِيتُ بأوجالِ


علَّم الرسولُ  عمَّ العباس دعاءً يجمعُ سعادة الدنيا والآخرةِ ، وهو قولُه  : ((اللّهم إني أسألُك العَفْوَ والعافية )) .
وهذا جامعٌ مانعٌ شافٍ كافٍ فيه خيرُ العاجلِ والآجلِ .
﴿ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ﴾ ، ﴿ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ .
***************************************
خُذوا حِذْرَكَمْ

منْ سعادةِ العبدِ اخْذُ الحَيْطةِ واستعمالُ الأسبابِ ، مع التَّوكُّلِ على اللهِ عزَّ وجلَّ ، فإن الرسول  بارز في بعضِ الغزواتِ وعليه دِرعٌ ، وهو سيِّدُ المتوكَّلين ، وقال لأحدِهم لما قال له : أعقِلُها يا رسول اللهِ ، أوْ أتوكَّلُ ؟ قال : (( اعقِلها وتوكَّل )) .
فالأخْذُ بالسببِ والتَّوكُّلُ على اللهِ قُوامُ التوحيدِ ، وترْكُ السبب مع التوكُّلِ على اللهِ قدْحٌ في الشرعِ ، وأخذُ السببِ مع ترْكِ التوكُّلِ على اللهِ قَدْحٌ في التوحيدِ .
وذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ في هذا : أنَّ رجلاً قصَّ ظفره ، فاستفحل عليه فمات ، ولم يأخُذْ بالحيْطةِ .
ورجُلٌ دَخَلَ على حمارٍ منْ سردان ، فهصر بطنهُ فمات .
وذكروا عنْ طه حسين – الكاتبِ المصريِّ – أنه قال لسائقِهِ : لا تُسرعْ حتى نصِل مبكِّرين .
وهذا معنى مثلٍ : رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريْثاً .
قال الشاعرُ :
قد يُدرِكُ المُتأنِّي بعض حاجتِه
وقدْ يكونُ مع المتعجِّلِ الزَّللُ


فالتَّوقِّي لا يُعارضُ القدر ، بلْ هو منهُ ، ومنْ لُبِّهِ ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ ، ﴿ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ﴾ .
******************************************
اكْسبِ الناس

ومنْ سعادةِ العبدِ قُدرتُه على كسْبِ الناس ، واستجلاب محبَّتِهم وعطفِهم ، قال إبراهيمُ عليه السلامُ : ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ ، قال المفسرون : الثّناءُ الحسنُ . وقال سبحانه وتعالى عنْ موسى : ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ . قال بعضُهم : ما رآك أحدٌ إلا أحبَّك .
وفي الحديثِ الصحيحِ : (( أنتم شهداءُ اللهِ في الأرض )) . وألسنةُ الخلْقِ أقلامُ الحقِّ .
وصحَّ : (( أن جبريل يُنادي في أهلِ السماءِ : إنَّ يحبُّ فلاناً فأحبُّوه ، فيُحبُّهُ أهلُ السماءِ ، ويُوضعُ له القبُول في الأرضِ )) .
ومنْ أسبابِ الودِّ : بسْطةُ الوجهِ ولِينُ الكلامِ وسَعَةُ الخُلقُ .
إنَّ منْ العواملِ القويةِ في جلْبِ أرواحِ الناسِ إليك : الرِّفقُ ؛ ولذلك يقولُ  : (( ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانه ، وما نُزع منْ شيءٍ إلا شانهُ )) .
ويقول : (( من يُحرم الرفق ، يُحرم الخير كلّه )) .
قال أحد الحكماء : الرفق يُخرج الحيَّة من جُحْرها .
قال الغربيُّون : اجْنِ العسل ، ولا تَكْسِرِ الخلِيَّة .
وفي الحديثِ الصحيحِ : (( المؤمُن كالنَّحْلةِ تأكلُ طيِّباً ، وتضعُ طيّباً ، وإذا وقعتْ على عودٍ ، لم تكسِرْهُ )) .
************************************
تنقَّلْ في الدِّيارِ واقرأْ آياتِ القُدرة

وممَّا يجلُب الفرح والسُّرور : الأسْفارُ والتَّنقُّلُ في الدِّيارِ ورؤيةُ الأمصارِ ، وقد سبقتْ كلمةٌ في أوّل هذا الكتابِ عنْ هذا . قال سبحانه : ﴿ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ، ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا ﴾ ، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ ﴾ .
قال الشاعرُ :
ولا تلبثْ بِربْعٍ فيه ضيْمٌ

يُذيبُ القلب إلا إنْ كُبِلْتا

وغرِّبْ فالتَّغرُّبُ فيه نفْعٌ

وشرِّقْ إنْ بِرِِيِقك قدْ شرِقْتا

ومنْ يقرأْ رحلة ابنِ بطُّوطة ، على ما فيها من المبالغاتِ ، يجِدِ العَجَبَ العجاب مِن خلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى ، وتصريفِه في الكونِ ، ويرى أنها من العِبر العظيمةِ للمؤمنِ ، ومن الراحةِ له أنْ يسافر ، وأنْ يغِّيرَ أجواءه ومكانه ومحلَّه ، لقرأ في هذا الكتابِ الكونيِّ المفتوحِ .
يقولُ أبو تمام – وهو يتحدَّث عن التنقلِ في الدِّيارِ - :
بالشَّامِ أهلي وبغدادُ الهوى وأنا
بالرَّقْمتينِ وبالفسطاطِ جِيراني

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، ﴿ فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ ﴾ ، ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ ، ﴿ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ .
************************************
تهجَّدْ مع المتهجِّديِن

ومما يُسعدُ النَّفْس ويشرحُ الصدر : قيامُ الليلِ .
وقدْ ذكر  في الصحيح : أنَّ العبد إذا قام من الليلِ ، وذكر الله ، ثم توضَّأ وصلَّى ، أصبح نشيطاً طيِّب النفْسِ . ﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ .
وقيامُ الليلِ يُذهبُ الدّاء عن الجسدِ ، وهو حديثٌ صحيحٌ عند أبي داود : (( يا عبدالله ، لا تُكنْ مثْل فلانٍ ، كان يقومُ الليل ، فتَركَ قيامَ الليلِ )) ، (( نِعْمَ الرجلُ عبدُاللهِ لو كان يقومُ من الليلِ )) .
لا تأسفْ على الأشياءِ الفانيةِ ، كلُّ شيءٍ في هذه الحياةِ فانٍ إلا وجْههُ سبحانه وتعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ ، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ{26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ .
إنَّ الإنسان الذي يأسفُ على دنياه ، كالطِّفلِ الذي يبكي على فقْدِ لعبتِهِ .
**********************************
وَقْفَـــةٌ

« كلُّ اثنينِ منهما قرينانِ ، وهما منْ آلامِ الرُّوح ومعذّباتِها ، والفرْق بينهما أنَّ الهمَّ توقُّع الشَّرِّ في المستقبلِ ، والحزُن التَّألُّمُ على حُصُولِ المكروهِ في الماضي أو فواتُ المحبوبِ ، وكلاهما تألُّمٌ وعذابٌ يرِدُ على الرُّوحِ ، فإنْ تعلَّق بالماضي سُمِّي حزناً ، وإنْ تعلّق بالمستقبلِ سُمِّي همّاً » .
(( اللَّهمَّ إني أسألك العافية في الدُّنيا والآخرةِ ، اللَّهمَّ إني أسألُك العفْو والعافية في ديِني ودُنياي وأهلي ومالي ، اللهمَّ استُرْ عوراتي وآمِنْ روْعاتي ، اللهم احفظني منْ بينِ يديَّ ومِنْ خلْفي ، وعنْ يميني وعنْ شمالي ومِنْ فوقي ، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغْتال مِنْ تحتي )) .
قال الشاعرُ :
ألم تر أنَّ ربَّك ليس تٌحصى

أيادِيهِ الحديثةُ والقديمهْ

تَسَلَّ عنِ الهمومِ فليس شيءٌ


يُقيِمُ ولا همومُك بالمُقيمهْ

لعلَّ الله ينظُرُ بعد هذا

إليك بنظرةٍ مِنْهُ رحيِمهْ

**************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 11:52

ثَمَنُك الجنَّةُ

يقولُ للشاعرُ :

نفسْي التي تملِكُ الأشياء ذاهبةٌ
فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا


إنَّ الدنْيا بذهبِها وفضَّتِها ومناصبِها ودُورِها وقصورِها لا تستأهلُ قطرة دمعٍ ، فعند الترمذيِّ أنَّ الرسول  قال : (( الدنيا ملعونةٌ ، ملعونٌ ما فيها إلا ذكْر اللهِ ، وما والاه ، وعالماً ومتعلَّماً )) .
إنها ودائعُ فحسْبُ ، كما يقولُ لبِيدُ :

وما المالُ والأهلون إلا ودِيعةٌ
ولابدَّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ


إن الملياراتِ والعقاراتِ والسياراتِ لا تؤخِّرُ لحظةً واحدةً منْ أجلِ العبدِ ، قال حاتمُ الطّائيُّ :
لعَمْرُكَ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى
إذا حشرجتْ يوماً وضاق بها الصَّدْرُ


ولذلك قال الحكماءُ : اجعلْ للشيء ثمناً معقولاً، فإنَّ الدنيا وما فيها لا تُساوي المؤمنِ: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ .
ويقولُ الحسنُ البصريُّ : لا تجعلْ لنفسِك ثمناً غير الجنةِ ، فإنَّ نفْس المؤمنِ غاليةٌ ، وبعضُهم يبيعها برُخْصٍ .
إنَّ الذين ينوحون على ذهابِ أموالِهمْ وتهدُّمِ بيوتِهم واحتراقِ سياراتِهم ، ولا يأسفون ويحزنون على نقْصِ إيمانِهم وعلى أخطائِهم وذنوبِهم ، وتقصيرِهم في طاعةِ ربِّهمْ سوف يعلمون أنهمْ كانوا تافهين بقدْرِ ما ناحُوا على تلك ، ولم يأسفوا على هذهِ ؛ لأنَّ المسألة مسألةُ قيمٍ ومُثُلٍ ومواقف ورسالةٍ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾.
******************************************
الحبُّ الحقيقيُّ
كُنْ منْ أولياءِ اللهِ وأحبائهِ لِتسْعدَ ، إنَّ منْ أسعْدِ السعداءِ ذاك الذي جعل هدفه الأسمى وغايتُه المنشودة حُبَّ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وما ألْطف قولهُ : ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .
قال بعضُهم : ليس العَجَبُ منْ قولهِ : يحبُّونه ، ولكنَّ العجب منْ قولِهِ يحبُّهم ؛ فهو الذي خلقهم ورزقهم وتولاَّهُم وأعطاهُمْ ، ثم يحبُّهم : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ﴾ .
وانظرْ إلى مكرُمةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ، وهي تاجٌ على رأسهِ : رجلٌ يُحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه اللهُ ورسولهُ .
إنَّ رجلاً من الصحابة أحبَّ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، فكان يردِّدُها في كلِّ ركعةٍ ، ويتَولَّهُ بذكْرِها ، ويعيدها على لسانه ، ويُشجي بها فؤاده ، ويحرِّكُ بها وجدانه ، قال له  : (( حبُّك إيَّاها أدْخَلَك الجنة )) .
ما أعجب بيتين كنتُ أقرؤهما قديماً ، في ترجمةٍ لأحدِ العلماءِ ، يقول :
إذا كان حُبُّ الهائِمين من الورى

بليلى وسلمى يسلُبُ اللُّبَّ والعقْلا

فماذا عسى أن يفعل الهائِمُ الذي

سَرَى قلبُه شوقاً على العالمِ الأعلى


﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ .
إنَّ مجنون ليلى قتلهُ حبُّ امرأةٍ ، وقارون حبُّ مالٍ ، وفرعون حبُّ منصبٍ ، وقُتل حمزةُ وجعفرُ وحنظلةُ حبّاً لله ولرسوله ، فيا لبُعْدِ ما بين الفريقين .
****************************************
وقفــــة

« ينتحرُ 300 ضابطِ شرطةٍ سنويّاً في أمريكا ، منهمْ عشرةٌ في نيويورك وحدها .. ومنذُ عام 1987 م يتزايدُ عدد ضُبّاط الشرطةِ المُنتحِرِين هناك .. وهي ظاهرةٌ أقلقتِ السُّلطاتِ ، وقام الاتحادُ الوطنيُّ لضبّاطِ الشرطةِ ببحْثِها .
لقدْ وجد الاتحادُ أنَّ أبرز أسبابِ انتحارِ الضباطِ هو : توتُّرُ الأعصابِ الدّائمِ الذي يعيشون فيه ، فهمْ مُطالبون دائماً بالثَّباتِ في الأزماتِ ، وتحمُّلِ الضُّغوطِ المتزايدةِ مع ارتفاعِ نسبةِ الجريمةِ ، وتحمُّل الآلامِ النّاتجة عن التَّعامُلِ مع المجرمين، ورؤيةِ جثثِ الضحايا منْ أطفالٍ ونساءٍ وعجائز. والسببُ الثاني هو : وجودُ الأسلحةِ معهمْ بشكلٍ دائمٍ ، فهي تُساعدُهم أو تسهِّلُ عليهمُ عمليَّة الانتحارِ .
وقد وُجد أنَّ ثمانين بالمائةِ منْ حوادثِ انتحارِ الضباطِ تتمُّ بسلاحِهم الخاصّ ، في ثلاثةِ أيامٍ متتاليةٍ انتحر ثلاثُة ضُبّاطٍ ، كلٌّ منهم بواسطِة مسدسِهِ الميري » .
********************************
شريعةٌ سهْلةٌ مُيسَّرةٌ
إنَّ مما يُثلجُ صدر المسلم ظاهرةُ اليُسْرِ والسَّماحةِ في الشريعةِ الإسلاميةِ ﴿ طه{1} مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ ، ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾ ، ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً{5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ، ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ .
(( رُفع عنْ أُمَّتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكْرِهُوا عليهِ )) ، (( إنَّ الدِّين يُسْرٌ ، ولنْ يُشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلبه )) ، سدِّدُوا وقارِبُوا وأبشِرُوا )) ،(( بُعثتُ بالحنيفيِّة السِّمْحةِ )) ، (( خَيْرُ دينكم أيْسَرُه )) .
عُرِضتْ على شاعرٍ معاصرٍ في دولةٍ وزارةٌ يتولاَّها ، على أنْ يترُك طموحاتِه ورسالاتِه وأطرُوحاتِه الحقَّةِ ، فقال :
خُذوا كلَّ دنياكُمُ واتركُوا

فؤادي حُراً طليِقاً غريبا

فإنِّي أعْظمُكم ثروةً

وإنْ خِلْتُمُوني وحيداً سليِنا

********************************************
أُسُسٌ للرّاحةِ

في مجلّةِ ( أهلاً وسهلاً ) بتاريخ 3 / 4 / 1415هـ مقالةٌ بعنوان « عشرون وصفةٍ لتجنُّبِ القلق » بقلم د . حسان شمسي باشا .
من معاني هذه المقالةِ :
إنَّ الأجلَ قد فُرِغ منهُ ، وإنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ ، فلا يأْسفِ العبدُ ، ولا يحزنْ على ما يجري . إنَّ رزق المخلوقِ عند الخالقِ في السماءِ ، فلا يملكُه أحدٌ ، ولا يتصرَّفُ فيه قومٌ ، ولا يمنعُه إنسانٌ . وإنَّ الماضي قدْ ذَهَبَ بهمومِه وغمومِه ، وانتهى فلنْ يعود، ولو اجتمع العالمُ بأسْرِه على إعادتِه . وإنَّ المستقبل في عالمِ الغيْبِ ، ولم يحضرْ إلى الآن ، ولم يستأذِن عليك ، فلا تسْتدْعِهِ حتى يأتي . وإنَّ الإحسان إلى الناسِ يُضفي على القلبِ سروراً ، وعلى الصدرِ انشراحاً ، وهو يعودُ على مُسديِه أعْظَمَ بركةٍ وثوابٍ وأجرٍ وراحةٍ ممنْ أُسدي إليهِ .
ومنْ شِيم المؤمنِ عدمُ الاكتراثِ بالنقْدِ الجائر الظالمِ ، فلمْ يَسْلَمْ من السَّبِّ والشَّتْمِ حتى ربُّ العالمين ، الذي هو الكاملُ الجليلُ الجميلُ ، تقدَّستْ أسماؤُه .
قلتُ في أبياتٍ لي :
فعلام تَحْرِقُ أدمُعاً قد وُضِّئتْ

ويظلُّ يُقْلِقُ قلْبَك الإرهابُ

وكِّلْ بها ربّاً جليلاً كلَّما

نام الخلِيُّ تَفَتَّحتْ أبوابُ

*************************************
احْذرِ العِشق

إياك وعِشْق الصُّورِ ، فإنَّها همٌّ حاضِر ، وكَدَرٌ مستمرٌّ . منْ سعادةِ المسلمِ يُعدُه عنْ تأوُّهاتِ الشعراءِ وولهِهِم وعشقِهم ، وشكواهُم الهجْر والوصْل والفراق ، فإنَّ هذا منْ فراغ القلبِ ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ .
وأنا الذي جَلَبَ المنيَّة طَرْفُهُ
فمنِ المُطالبُ والقتيلُ القاتِلُ

والمعنى : إنني أستحقُّ وأستأهلُ ما ذُقتُ من الألمِ والحسرةِ ؛ لأنني المتسبِّبُ الأعظمُ فيما جرى لي .
وآخرُ أندلسٌّ يتباهى بكثرةِ هيامِه وعشقِه وولهِهِ ، فيقولُ :
شكا ألم الفِراقِ النَّاسُ قبْلي

ورُوِّع بالجوى حيٌّ وميْتُ

وأمّا مِثْلما ضمَّتْ ضلوعي

فإنِّي ما سمعتُ ولا رأيْتُ

ولو ضمَّ بين ضلوعهِ التقوى والذْكر وروحانيّةً وربّانيّةً ، لَوَصَلَ إلى الحقِّ ، ولَعَرَ الدليل ، ولأبصر الرُّشد ، ولَسَلَك الجادَّة : ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ .
إنَّ ابن القيِّمِ عالج هذهِ المسألة علاجاً شافياً كافياً في كتابِهِ (الداءُ والدواءُ) فليُرْجَعْ إليهِ.
إن للعشق أسباباً منها :
1. فراغُ منْ حُبِّه سبحانه وتعالى وذكْرِهِ وشُكرِه وعبادتِهِ .
2. إطلاقُ البصرِ ، فإنهُ رائدٌ يجلبُ على القلبِ أحزاناً وهموماً : ﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾، ((النظرةُ سهمٌ منْ سهامِ إبليس)).
وأنت متى أرسلت طرْفك رائداً


إلى كلِّ عينٍ أتعبتْكَ المناظِرُ

رأيت الذي لا كُلُّه أنت قادرٌ

عليه ولا عنْ بعضِهِ أنت صابِرُ

3. التقصيرُ في العبوديَّةِ ، والتقصيرُ في الذِّكْرِ والدُّعاءِ والنوافلِ ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾ .
أمَّ دواءُ العِشْقِ ، فمنْهُ :
﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ .
1. الانطراحُ على عتباتِ العبوديِّةِ ، وسؤالُ المولى الشِّفاء والعافية .
2. وغضُّ البصرِ وحفْظُ الفرْجِ ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ ، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ .
3. وهجْرُ ديارِ منْ تعلَّق بهِ القلبُ ، وتركُ بيتهِ وموطنِهِ وذكْرِهِ .
4. والاشتغالُ بالأعمالِ الصالحةِ : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ﴾ .
5. والزَّواجُ الشَّرْعيُّ ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ﴾ ، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ ، (( يا معشر الشبابِ ، منِ استطاع منكمُ الباءة فليتزوَّجْ )) .
****************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 11:54

حقوقُ الأخوَّةِ

مما يُسعدُ أخاك المسلم أنْ تُناديهِ بأحبِّ الأسماءِ إليهِ .
أُكْنِيهِ حين أُناديِه لأُكرِمهُ
ولا أُلقِّبُهُ والسَّوْءَةُ اللَّقبُ

وأنْ تهشَّ وتَبَشَّ في وجهِه (( ولو أنْ تلْقى أخاك بوجه طلْقٍ )) ، (( تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ )) . وأنْ تشجِّعهُ على الحديثِ معك – أي تتركَ له فرصةً ليتكلَّم عنْ نفسِه وعن أخبارِهِ – وتأل عنْ أمورِه العامّةِ والخاصّةِ ، التي لا حَرَجَ في السؤالِ عنها ، وأنْ تهتمّ بأموره (( منْ لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهمْ )) ، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ .
ومنها : أنْ لا تلومه ولا تعْذله على شيءٍ مضى وانتهى ، ولا تحرجه بالمزاحِ : (( لا تُمارِ أخاك ولا تُمازِحْه ، ولا تعِدهُ موعداً فتُخْلِفه )) .
*************************************
« أسرارٌ في الذنوبِ .. ولكنْ لا تذنبْ ! »

ذكر بعضُ أهلِ العلمِ : أنَّ الذنب كالختْمَ على العبد ، ومنْ أسرارها بعد التوبةِ : قصْمُ ظهر العُجْبِ ، وكثرةُ الاستغفارِ والتوبةُ والإنابةُ والتَّوجُّهُ والانكسارُ والندامة ، ووقوع القضاءِ والقدرِ ، والتَّسليمُ بعبوديَّةِ مُقابلةِ القضاءِ والقدرِ .
ومنها : تحقُّقُ أسماءِ اللهِ الحسنى وصفاتِه العُلى مثلِ : الرحيمِ والغفورِ والتَّوّابِ .
*************************************
اطْلُبِ الرزق ولا تحرِصْ

سبحان الخالقِ الرازقِ ، أعطى الدودةَ رزقها في الطَّينِ ، والسمكة في الماءِ ، والطائرَ في الهواءِ ، والنملةَ في الظَّلماءِ ، والحيَّة بين الصخورِ الصَّمّاءِ .
ذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ لطيفةً من اللَّطائفِ : أنَّ حيَّةُ عمياء كانتْ في رأسِ نخلةٍ ، فكان يأتيها عصفورٌ بلحمٍ في فمِه ، فإذا اقترب منها وَرْوَرَ وصفَّرَ ، فتفتحُ فاها ، فيضعُ اللحم فيهِ سبحان منْ سخرَّ هذا لهذِه ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ﴾ .
وإذا ترى الثعبان ينفُثُ سُمَّهُ

فاسألهُ منْ ذا بالسُّمومِ حشاكا

واسألهُ كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو

تحيا وهذا السُّمُّ يَمْلأُ فاكا

كانتْ مريمُ عليها السلامُ يأتيها رزقُها في المحرابِ صباح مساء ، فقيل لها : ﴿ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
لا تحزنْ فرزقُك مضمونٌ ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾ . لتعلم البشريَّةُ أنَّ رازق الوالدِ ، هو الذي لم يلدْ ولمْ يولدْ .
﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ﴾ إنَّ صاحب الخزائنِ الكبرى جلَّ في علاهُ قد تكفَّل بالرزقِ ، فِبم القلقُ والزعيمُ بذلك اللهُ ؟!
﴿ فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ .
﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ .
*****************************************
وقفـــة

« أمّا الصلاةُ فشأُنها في تفريغِ القلبِ وتقويتِه ، وشرْحِه ، وابتهاجهِ ولذَّتِه ، أكبَرْ شأنٍ ، وفيها اتِّصالُ القلبٍ والرُّوحِ باللهِ ، وقُربِه والتَّنعُّمِ بذكرِهِ ، والابتهاجِ بمُناجاتِه ، والوقوفِ بين يديْهِ ، واستعمالِ جميعِ البدنِ وقُواهُ وآلاتِهِ في عبوديَّتِهِ ، وإعطاءِ كلِّ عضو حظَّه منها ، واشتغالِه عن التَّعلُّقِ بالخلقِ ومُلابستِهم ومُحاوَرَتِهم ، وانجذاب قوى قلبِهِ وجوارحِهِ إلى ربِّه وفاطرِهِ ، وراحتهِ منْ عدوِّه حالة الصلاةِ ما صارتْ بهِ منْ أكبرِ الأدويةِ والمفرحاتِ والأغذيِةِ التي لا تُلائمُ إلا القلوب الصحيحة . وأمّا القلوبُ العليلةُ فهي كالأبدانِ ، لا تُناسبها إلاَّ الأغذيةُ الفاضلةُ » .
« فالصلاةُ منْ أكبرِ العوْنِ على تحصيلِ مصالحِ الدنيا والآخرةِ ، ودفْع مفاسِد الدنيا والآخرةِ ، وهي منْهاةٌ عن الإثْمِ ، ودافعةٌ لأدواءِ القلوبِ ، ومطْردةٌ للداءِ عن الجسدِ ، ومُنَوِّرةٌ للقلبِ ، ومُبيِّضةٌ للوجهِ ، ومنشِّطةٌ للجوارحِ والنفْسِ ، وجالِبةٌ للرزقِ ، ودافعةٌ للظُّلْمِ ، وناصِرةٌ للمظلوم ، وقامعةٌ لأخلاطِ الشّهواتِ ، وحافظةٌ للنعمةِ ، ودافعةٌ للنقمةِ ، ومُنزلةٌ للرحمةِ ، وكاشفةٌ للغُّمةِ » .
*************************************
شريعةٌ سَمْحةٌ

ممَّا يُفرِّحُ العبد المسلم ، ما في الشريعةِ من الثَّوابِ الجزيلِ والعطاءِ الضخْمِ ، يتجلَّى ذلك في المكفِّراتِ العشْرِ ، كالتوحيدِ وما يكفِّرُه من الذنوبِ . والحسناتِ الماحيةِ ، كالصلاةِ ، والجمعةِ إلى الجمعةِ ، والعمرةِ إلى العمرةِ ، والحجِّ ، والصومِ ، ونحو ذلك من الأعمالِ الصالحةِ . وما هناك منْ مُضاعَفَةِ الأعمالِ الصالحةِ ، كالحسنةِ بعشرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ . ومنها التوبةُ تجُبُّ ما قبلها من الذنوبِ والخطايا . ومنها المصائبُ المكفِّرةُ فلا يصيبُ المؤمن منْ أذىً إلا كفَّرَ اللهُ بهِ منْ خطاياهُ . ومنها دعواتُ المسلمين لهُ بظهْرِ الغيبِ . ومنها ما يُصيبُه من الكرْبِ وقت الموتِ . ومنها شفاعةُ المسلمين له وقت الصلاةِ عليهِ . ومنها شفاعةُ سيِّد الخلقِ  ، ورحمةُ أرحم الراحمين تبارك وتعالى ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ ، ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ .
*****************************************
﴿ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى ﴾

أوجس موسى في نفسِهِ خِيفةً ثلاث مرَّاتٍ :
الأولى : عندما دخل ديوان الطاغيةِ فرعون ، فقال : ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾ ، قال اللهُ : ﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ .
وحقِيقٌ بالمؤمنِ أن تكون في ذاكرتهِ وفي خلدِه : لا تخفْ ، إنني أسمعُ وأرى .
والثانية : عندما ألقى السحرةُ عِصِيَّهم ، فأوْجس في نفسِه خيِفةً موسى .
فقال الله تعالى : ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى ﴾ .
الثالثةُ : لما أتْبعهُ فرعونٌ بجنودِه ، فقال له اللهُ : ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ ﴾ وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .
*************************************
إياك وأربعاً

أربعٌ تُورثُ ضنْكَ المعيشةِ وكَدَرَ الخاطرِ وضيِقَ الصَّدْرِ :
الأولى : التَّسخُّطُ من قضاءِ اللهِ وقدرِه ، وعَدَمُ الرِّضا بهِ .
الثانيةُ : الوقوعُ في المعاصي بلا توبةٍ ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ،﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
الثالثةُ : الحقدُ على الناسِ ، وحُبُّ الانتقامِ منهمْ ، وحَسَدُهم على ما آتاهُمُ اللهُ منْ فضلِه ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، (( لا راحة لحسودِ )) .
الرابعةُ : الإعراضُ عنْ ذكرِ اللهِ ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ .
******************************************


اسكُنْ إلى ربِّك

راحةُ العبدِ في سكونِه إلى ربِّه سبحانه وتعالى .
وقد ذَكَرَ اللهُ السكينةَ في مواطن منْ كتابِه عزَّ من قائلٍ ، فقال : ﴿ َأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، ﴿ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ﴿ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ ، ﴿ فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ .
والسَّكينةُ هي ثباتُ القلبِ إلى الرَّبّ ، أو رسوخُ الجنان ثقةً بالرحمنِ ، أو سُكُونُ الخاطرِ توكُّلاً على القادرِ . والسكينةُ هدوءُ لواعِجِ النفْسِ وسكونُها ، واستئناسُها ورُكُودُها وعدمُ تفلُّتِها ، وهي حالةٌ من الأمنِ ، يَحْظَىَ بها أهلُ الإيمانِ ، تُنقذُهُمْ منْ مزالقِ الحيْرةِ والاضطرابِ ، ومهاوي الشَّكِّ والتَّسخُّطِ ، وهي بحسب ولايةِ العبدِ لربِّه ، وذكْرِه وشُكرِه لمولاهُ ، واستقامتِه على أمرهِ ، واتِّباعِ رسولِهِ  ، وتمسُّكِه بهدْيِه ، وحبِّه لخالقِهِ ، وثقتِه في مالكِ أمرهِ ، والإعراضِ عمَّ سواهُ ، وهجْر ما عداهُ، لا يدعو إلا الله، ولا يعبدُ إلا أياهُ ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾ .
*****************************************
كلمتان عظيمتان

قال الإمامُ أحمد : كلمتان نفعني اللهُ بهما في المحنةِ
الأولى : لرجُلٍ حُبس في شربِ الخمْرِ ، فقال : يا أحمدُ ، اثبتْ ، فإنك تُجلدُ في السُّنَّةِ ، وأنا جُلِدُتُ في الخمرِ مراراً ، وقدْ صبرْتُ . ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ ، ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾ .
الثانيةُ : لأعرابيٍّ قال للإمامِ أحمد – والإمامُ أحمدُ قدْ أُخِذَ إلى الحبْسِ ، وهو مقيَّدٌ بالسلاسلِ : يا أحمدُ ، اصبرْ ، فإنَّما تُقتل منْ هنا ، وتدخُلُ الجنة منْ هنا . ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ﴾ .
******************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 11:55

فوائدِ المصائبِ

استخرجُ مكنونِ عبوديةِ الدعاءِ ، قال أحدُهم : سبحان منِ استخرج الدعاء بالبلاءِ . وذكَرُوا في الأثرِ : أنَّ الله ابتلى عبداً صالحاً منْ عبادِهِ ، وقال لملائكتِه : لأسمع صوتهُ . يعني : بالدعاءِ والإلحْاحِ .
ومنها : كَسْرُ جماحِ النفسِ وغيِّها ؛ لأنَّ الله يقول : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ﴾ .
ومنها : عطفُ الناسِ وحبُّهم ودعاؤُهم للمصابِ ، فإنَّ الناس يتضامنون ويتعاطفون مع منْ أُصيب ومنِ ابتُلي .
ومنها : صرْفُ ما هو أعظمُ منْ تلك المصيبةِ ، فغنها صغيرةٌ بالنسبةِ لأكبر منها ، ثمَّ هي كفَّارةٌ للذنوبِ والخطايا ، وأجرٌ عند اللهِ ومثوبةٌ . فإذا عَلِمَ العبدُ أنَّ هذه ثمارُ المصيبةِ أنس بها وارتاح ، ولم ينزعجْ ويَقْنطْ ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
************************************
العلم هُدى وشِفاءٌ :

ذَكَرَ ابنُ حزمٍ في ( مُداواة النفوس ) أنَّ منْ فوائدِ العلمِ : نَفْيَ الوسواسِ عن النَّفْسِ ، وطرْدَ الهمومِ والغمومِ والأحزانِ .
وهذا كلامٌ صحيحٌ خاصَّةً لمنْ أحبَّ العِلْم وشغف به وزاولهُ ، وعمل به وظهر عليه نفْعُه وأثرُه .
فعلى طالبِ العلمِ أن يوزِّع وقته ، فوقتٌ للحفْظِ والتكرارِ والإعادةِ ، ووقتٌ للمطالعةِ العامَّةِ ، ووقتٌ للاستنباطِ ، ووقتٌ للجَمْعِ والتَّرتيبِ ، ووقتٌ للتأمُّلِ والتدبُّرِ .
فكُنْ رجُلاً رِجْلُه في الثَّرى
وهامةُ هِمَّتِهِ في الثُّريَّا

*******************************************
عسى أن يكون خيراً

للسيوطي كتابٌ بعنوان ( الأرجُ في الفرج ) : ذَكَرَ منْ كلامِ أهلِ العلمِ ما مجموعُه يُفيدُنا أنَّ المحَابَّ كثيرةٌ في المكارهِ ، وأنَّ المصائب تُسفرُ عن عجائب وعن رغائب لا يُدركُها العبدُ ، إلا بعد تكشُّفِها وانجلائِها .
لعَمْرُك ما يدري الفتى كيف يتَّقي

نوائب هذا الدَّهرِ أمْ كيف يحْذرُ

يرى الشيء ممَّا يُتَّقى فيخافُه

وما لا يرى مما يقِي اللهُ أَكْبَرُ

******************************************
السعادةُ موهبةٌ ربَّانيَّة

ليس عجباً أنْ يكون هناك نفرٌ من الناسِ يجلسون على الأرصفةِ ، وهم عُمَّالٌ لا يجدُ احدُهم إلا ما يكفي يومه وليلته ، ومع ذلك يبتسمون للحياةِ ، صدورُهم منشرِحةٌ وأجسامُهم قويةٌ ، وقلوبُهم مطمئنَّةٌ ، وما ذلك إلا لأنَّهم عَرَفوا أنَّ الحياة إنما هي اليومُ ، ولم يشتغلوا بتذكُّرِ الماضي ولا بالمستقبلِ وإنما أفنوْا أعمارهم في أعمالِهم .
وما أُبالي إذا نفسي تطاوعُني
على النَّجاةِ بمنْ قدْ عاش أو هلكا

وقارِنْ بين هؤلاء وبين أناسٍ يسكنون القصور والدُّور الفاخرة ، ولكنَّهمْ بَقُوا في فراغٍ وهواجس ووساوس ، فشتتهُمُ الهمُّ ، وذهب بهم كلَّ مذهبِ .
لحا اللهُ ذي الدِّنيا مُناخاً لراكِبٍ
فكُلُّ بعيدٍ الهمِّ فيها مُعذَّبُ

*********************************************
الذِّكْرُ الجميلُ عمرٌ طويلٌ

منْ سعادِة العبدِ المسلمِ أنْ يكون لهُ عمرٌ ثانٍ ، وهو الذِّكْرُ الحسنُ ، وعجباً لمنْ وجد الذكْر الحسنَ رخيصاً ، ولمْ يشترِهِ بمالِه وجاهِه وسعيِه وعملِه .
وقدْ سبق معنا أنَّ إبراهيم عليهِ السلامُ طلب منْ ربِّه لسان صدْقٍ في الآخرِين ، وهو : الثَّناءُ الحسنُ ، والدعاءُ له .
وعجبْتُ لأُناسٍ خلَّدوا ثناءً حسناً في العالمِ بحُسْنِ صنيعهِم وبكرمهِم وبذْلِهم ، حتى إنَّ عُمَرَ سأل أبناء هرِم بنِ سنانٍ : ماذا أعطاكمْ زهيرٌ ، وماذا أعطيتُموهُ ؟ قالوا : مَدَحَنا ، وأعطيناهُ مالاً . قال عمرُ : ذهب واللهِ ما أعطيتموهُ ، وبقي ما أعطاكمْ .
يعني : الثناءُ والمديحُ بقي لهمْ أبد الدّهرِ .
أولى البرِيَّةِ طُرَّا أنْ تُواسِيهُ

عند السُّرورِ الذي واساك في الحزنِ

إن الكرام إذا ما أُرسِلُوا ذكرُوا

منْ كان يألفُهم في المنزلِ الخشنِ

******************************************
أُمَّهاتُ المراثي

هناك ثلاثُ قصائد خلَّدتْ منْ قِيلتْ فيهم :
ابنُ بقيَّة الوزيرُ الشهيرُ ، قتلهُ عَضُدُ الدولةِ ، فرثاهُ أبو الحسنِ الأنباريُّ بقصيدتِه الرائعةِ العامرةِ ، ومنها :
عُلُوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ

لحقٌّ تِلْك إحدى المُعجزاتِ

كأنَّ الناس حوْلك حين قاموا


وفودُ نداك أيام الصِّلاتِ

كأنَّك واقِفٌ فيهم خطيباً


وهمْ وقفُوا قِياماً للصَّلاةِ

مددت يديْك نحوهمُو اختفاءً


كمدِّهما إليهمْ بالهِباتِ

ولما ضاق بطنُ الأرضِ عنْ أنْ


يُواروا فيه تلك المكْرُماتِ

أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا


عليك اليوم صوت النّائِحاتِ

وما لك تُربةٌ فأقولُ تُسقى


لأنَّك نُصْب هطْلِ الهاطِلاتِ

عليك تحيَّة الرحمنِ تتْرى



بتبريكِ الفؤادِ الرّائِحاتِ

لِعظْمِك في النُّفُوسِ تباتُ تُرعى



بحُراسٍ وحُفَّاظٍ ثقاتِ

وتُوقدُ حولك النيرانُ ليلاً

كذلك كُنت أيام الحياةِ

ما أجمل العباراتِ ، وما أجمل الأبياتِ ، وما أنْبَلَ هذهِ المُثُل ، وما أضخم هذهِ المعاني . الله ما أجْملها من أوسمةٍ ، وما أحسنها من تِيجان !!
لمَّا سمع هذه الأبيات عضدُ الدولة الذي قتلهُ ، دمعتْ عيناه وقال : وددتُ واللهِ أنني قُتلتُ وصُلِبْتَ ، وقيِلتْ فيَّ .
ويُقتلُ محمدُ بنُ حميدٍ الطوسيُّ في سبيلِ اللهِ ، فيقولُ أبو تمام يرثيه :
كذا فليجلَّ الخطبُ وليَفْدحِ الأمرُ


فليْس لِعَيْنٍ لم يفِضْ ماؤها عُذْرُ


تُوفِّيتِ الآمالُ بعد محمَّدٍ


وأصبح في شُغلٍ عن السَّفرِ السَّفرُ

تردَّ ثياب الموت حُمْراً فما دَجَى

لها الليلُ إلا وهي منْ سُنْدُسٍ خُضْرُ

إلى آخرِ ما قال في تلك القصيدةِ الماتِعةِ ، فسمِعها المعتصمُ ، وقال : ما مات من قِيلتْ فيه هذهِ الأبياتُ .
ورأيتُ كريماً آخر في سلالةِ قُتيبة بنِ مسلمٍ القائدِ الشهيرِ ، هذا الكريمُ بذل ماله وجاههُ ، وواسى المنكوبين ، ووقف مع المصابين وأعطى المساكين ، وأطعم الجائعين ، وكان ملاذاً للخائفين ، فلمَّا مات ، قال أحدُ الشعراء :
مضى ابنُ سعيدٍ حين لم يبق مشرِقٌ

ولا مغرِبٌ غلاَّ لهُ فيهِ مادحُ

وما كنتُ أدري ما فواضِلُ كفِّهِ


على الناسِ حتى غيَّبتْهُ الصَّفائحُ

وأصبح في لحدٍ مِن الأرضِ ضيِّقٍ


وكانتْ به حيّاً تضِيقُ الصَّحاصحُ

سأبكيك ما فاضتْ دموعي فإنْ تفِضْ


فحسْبُك مني ما تجِنُّ الجوابِحُ

فما أنا مِنْ رُزْءٍ وإنْ جلَّ جازِعٌ


ولا بسرورٍ بعد موتِك فارِحُ

كأنْ لم يُمتْ حيٌّ سواك ولم تقُمْ


على أحدٍ إلا عليك النَّوائِحُ

لئنْ عظُمتْ فيك المراثي وذكْرُها

لقد عظمتْ مِنْ قبلُ فيك المدائحُ

وهذا أبو نواس يكتبُ تاريخ الخصيبِ أميرِ مِصْرِ، ويسجِّل في دفترِ الزمانِ اسمه فيقولُ :
إذا لم تزُرْ أرض الخصيبِ ركابُنا

فأيَّ بلادٍ بعدهنَّ تزورُ

فما جازهُ جودٌ ولا حلَّ دونه


ولكنْ يسيرُ الجودُ حيثُ يسيرُ

فتىً يشتري حُسْن الثَّناءِ بمالِه

ويعلمُ أنَّ الدَّائراتِ تدورُ

ثم لا يذكُرُ الناسُ منْ حياةِ الخصيبِ ، ولا منْ أيامِه إلا هذهِ الأبيات .
*********************************************
وقفــــــةٌ

((اللهمَّ اقِسمْ لنا مِنْ خشيتِك ما تحُولُ به بيننا وبين معاصيك ، ومنْ طاعتِك ما تُبلُغُنا به جنَّتك ، ومن اليقينِ ما تُهوِّنُ به علينا مصائب الدنيا ، ومتِّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتِنا ما أحْييْتنا ، واجْعلْه الوارِث منا ، واجعلْ ثأرنا على منْ ظَلَمَنا ، وانصُرْنا على منْ عادانا ، ولا تجعلْ مصيبتنا في ديننِا ، ولا تجعلِ الدُّنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ عِلْمِنا ، ولا تُسلِّطْ علينا بذنوبنا منْ لا يرحمُنا )) .
قال عليُّ بنُ مقلة :
إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ

وضاق لما بهِ الصَّدرُ الرَّحيبُ

وأوْطنتِ المكارهُ واطمأنَّتْ


وأرستْ في أماكنِها الخطوبُ

ولم تر لانكشافِ الضُّرِّوجهاً


ولا أغنى بحِيلتِهِ الأريبُ

أتاك على قُنُوطِك منهُ غَوْثٌ


يمُنُّ به القريبُ المُستجيِبُ

وكُلُّ الحادثاتِ وإن تناهتْ

فموصولٌ بها فرجٌ قريبُ

****************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 11:56

ربٌّ لا يظْلِمُ ولا يَهْضِمُ

ألا يحقُّ لك أنْ تَسْعَدَ ، وأنْ تهدأ وأنْ تسكن إلى موعودِ اللهِ ، إذا علمت أنَّ في السماء ربّاً عادلاً ، وحكماً مُنصفاً ، أدخل امرأةُ الجنة في كلبٍ ، وأدخل امرأةً النار في هِرَّة .
فتلك امرأةٌ بغيٌّ منْ بني إسرائيل ، سقتْ كلباً على ظمأٍ ، فغفر اللهُ لها وأدخلها الجنة ، لمِا قام في قلبِها منْ إخلاصِ العملِ للهِ .
وهذهِ حبست قطَّةً في غُرفةٍ ، لا هي أطعمتْها ، ولا سقتْها ، ولا تركتْها تأكلُ منْ خشاشِ الأرضِ ، فأدخلها اللهُ النار .
فهذا ينفعُك ويُثلجُ صدرك بحيثُ تعلمُ أنه سبحانه وتعالى يجزي على القليلِ ، ويُثيبُ على العملِ الصغيرِ ، ويُكافئُ عبدهُ على الحقيرِ .
وعند البخاريِّ مرفوعاً : (( أربعون خصْلةً ، أعلاها منِحةُ العنزِ ما من عاملٍ يعملُ بخصلةٍ منها رجاء موعودِها وتصديق ثوابِها إلا أدخله اللهُ الجنة )) ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ، ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ﴾ .
فرِّجْ عنْ مكروبٍ ، وأعطِ محروماً ، وانصرْ مظلوماً ، وأطعمْ جائعاً ، واسْقِ ظامئاً ، وعُدْ مريضاً ، وشيِّع جنازةً ، وواسِ مصاباً ، وقُدْ أُعْمى ، وأرشِدْ تائِهاً ، وأكرم ضيفاً ، وبِرَّ جاراً ، واحترمْ كبيراً ، وارحمْ صغيراً ، وابذُلْ طعامك ، وتصدَّقْ بدِرْهمِك ، وأحسِنْ لفظك ، وكُفَّ أذاك ، فإنه صدقةٌ لك .
إنَّ هذه المعاني الجميلة ، والصفاتِ السامية ، منْ أعظمِ ما يجلبُ السعادة ، وانشراح الصدرِ ، وطردَ الهمِّ والغمِّ والقلق والحزن .
لله دِرُّ الخُلُقِ الجميلِ ، لو كان رجلاً لكان حَسَنَ الشّارةِ ، طيِّب الرائحةِ حَسَنَ الذكْرِ ، باسِم الوجهِ .
********************************************
اكتبْ تأريخك بَنفْسِك

كنتُ جالساً في الحرَمِ في شدَّةِ الحرّ ، قبل صلاةِ الظهرِ بساعةٍ ، فقام رجلٌ شيخٌ كبيرٌ ، وأخذ يُباشِرُ على الناسِ بالماءِ الباردِ ، فيأخذُ بيدهِ اليُمنى كوباً ، وفي اليُسرى كوباً ، ويسقيهمُ منْ ماءِ زمزم ، فكلَّما شرب شاربٌ ، عاد فأسقى جارهُ ، حتى أسقى فِئاماً من الناسِ ، وعَرَقُه يتصبَّبُ ، والناسُ جلوسٌ كلٌّ ينتظرُ دوره ليشرب منْ يدِ هذه الشيخِ الكبيرِ ، فعجبتُ منْ جلدِهِ ومنْ صبرِهِ ومنْ حبِّه للخيرِ ، ومن إعطائِه هذا الماءَ للناسِ وهو يتبسَّمُ ، وعلمتُ أنَّ الخير يسيرٌ على منْ يسرَّه اللهُ عليه ، وأنَّ فِعْلَ الجميِل سَهْلٌ على منْ سهَّلهُ اللهُ عليه ، وأنَّ للهِ ادِّخاراتٍ من الإحسانِ ، يمنحُها منْ يشاءُ منْ عبادهِ ، وأنَّ اللهُ يُجري الفضائل ولو كانتْ قليلةً على يدِ أناسٍ خيرِّين ، يحبُّون الخيْر لعبادِ اللهِ ، ويكرهون الشَّرَّ لهم .
أبو بكر يعرِّضُ نفسه للخطرِ في الهجرةِ ، حمايةً للرسولِ  .
وحاتمُ ينامُ جائعاً ، ليشبع ضيوفه .
وأبو عبيدة يسهرُ على راحةِ جيشِ المسلمين .
وعمرُ يطوفُ المدينة والناسُ نيامٌ .
ويتلوى من الجوعِ عام الرَّمادة ، ليُطعم الناس .
وأبو طلحة يتلقى السهام في أُحُدٍ ، ليقي رسول اللهِ  .
وابنُ المباركِ يُباشِرُ على الناسِ بالطعامِ وهو صائمٌ .
ذهبوا يرون الذكر عمراً ثانيا
ومضوا يعدُّون الثناء خلودا

﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ .
********************************************
أنْصِتْ لكلامِ اللهِ

هدِّئ أعصابك بالإنصاتِ إلى كتابِ ربِّك ، تلاوةً مُمتعةً حسنةً مؤثِّرةً منْ كتابِ اللهِ ، تسمعُها منْ قارئٍ مجوِّدٍ حَسَنِ الصوتِ ، تصلُك على رضوانِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وتُضفي على نفسِك السكينة ، وعلى قلبِك يقيناً وبرداً وسلاماً .
كان  يحبُّ أنْ يسمع القرآن منْ غيرِهِ ، وكان  يتأثَّرُ إذا سمع القرآن منْ سواهُ ، وكان يطلُبُ منْ أصحابِه أنْ يقرؤوا عليهِ ، وقد أُنزل عليهِ القرآنُ هو ، فيستأنسُ  ويخشعُ ويرتاحُ .
إنَّ لك فيهِ أسوةً أنْ يكون لك دقائقُ ، أو وقتٌ من اليومِ أو الليلِ ، تفتحُ فيهِ المذياع أو مسجّلاً ، لتستمع إلى القارئِ الذي يعجبُك ، وهو يتلو كلام اللهِ عزَّ وجلَّ .
إنَّ ضجَّة الحياةِ وبلبلة الناسِ ، وتشويش الآخرين ، كفيلٌ بإزعاجِك ، وهدِّ قُواك ، وبتشتيتِ خاطرِك . وليس لك سكينةٌ ولا طمأنينةٌ ، إلاَّ في كتابِ ربِّك وفي ذكرِ مولاك : ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ .
يأمرُ  ابن مسعودٍ ، فيقرأ عليه منْ سورةِ النساءِ ، فيبكي  حتى تنهمر دموعُه على خدِّه ، ويقولُ : (( حسْبُك الآن )) .
ويمرُّ بأبي موسى الأشعريِّ ، وهو يقرأُ في المسجدِ ، فيُنصتُ لهُ ، فيقولُ له في الصباحِ : (( لو رأيتني البارحة وأنا أستمعُ لقراءتِك )) ، قال أبو موسى : لو أعلمُ يا رسول الله أنك تستمعُ لي ، لحبَّرْتُهُ لك تحبيراً .
عند ابن أبي حاتم يمرُّ  بعجوزٍ ، فيُنصت إليها منْ وراءِ بابها ، وهي تقرأُ ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ ، تعيدُها وتكرِّرُها ، فيقولُ : (( نعم أتاني ، نعم أتاني )) .
إنَّ للاستماعِ حلاوةً ، وللإنصاتِ طلاوةً .
أحدُ الكُتاّبِ اللامعين المسلمين سافر إلى أوربا ، فأبحر في سفينةٍ ، وركبتُ معه امرأةٌ منْ يوغسلافيا ، شيوعيَّةٌ فرَّتْ منْ ظُلمٍ ومنْ قهرِ تيتو ، فأدركتْه صلاةُ الجمعةِ مع زملائِه ، فقام فخطبهم ، ثم صلَّى بهمْ وقرأ سورة الأعلى والغاشية ، وكانتِ المرأةُ لا تجيدُ العربية ، كانتْ تُنصتُ إلى الكلام وإلى الجرْسِ وإلى النَّغمةِ ، وبعد الصلاةِ سألتْ هذا الكاتب عن هذهِ الآياتِ ؟ فأخبرها أنها من كلامِ اللهِ عزَّ وجَّل ، فبقيتْ مدهوشةً مذهولةً ، قال : ولم تمكنّي لغتي لأدعُوها إلى الإسلامِ : ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ .
إنَّ للقرآنِ سلطاناً على القلوبِ ، وهيبةٌ على الأرواحِ ، وقوةً مؤثَّرةً فاعلةً على النفوسِ.
عجبتُ لأناسٍ من السلفِ الأخبارِ ، ومن المتقدِّمين الأبرار، انهدُّوا أمام تأثيرِ القرآن ،وأمام إيقاعاتِه الهائلةِ الصادقةِ النافذةِ : ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ .
فذاك عليُّ بنُ الفُضيل بن عياضٍ يموتُ لمَّا سمع أباه يقرأُ : ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ{24} مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾ .
وعمرُ رضي اللهُ عنه وأرضاهُ منْ سماعِه لآيةٍ ، ويبقى مريضاً شهراً كاملاً يُعادُ ، كما يُعادُ المريضُ ، كما ذكر ذلك ابنُ كثيرٍ . ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾ .
وعبدُاللهِ بنُ وهبٍ ، مرَّ يوم الجمعةِ فسمع غلاماً يقرأُ : ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ... ﴾ فأُغمي عليه ، ونُقل إلى بيتهِ ، وبقي ثلاثة أيامٍ مريضاً ، ومات في اليوم الرابعِ . ذَكَرَه الذهبيُّ .
وأخبرني عالمٌ أنه صلَّى في المدينةِ ، فقرأ القارئُ بسورةِ الواقعةِ ، قال : فأصابني من الذهولِ ومن الوجلِ ما جعلني اهتزُّ مكاني ، وأتحرَّكُ بغيرِ إرادةٍ مني ، مع بكاءٍ ، ودمعِ غزيرٍ . ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
ولكنْ ما علاقةُ هذا الحديثِ بموضوعِنا عنِ السعادةِ ؟!
إنَّ التشويش الذي يعيشُه الإنسانُ في الأربعِ والعشرين ساعةً كفيلٌ أنْ يُفقِده وعيهُ ، وأن يُقلقه ، وأن يُصيبه بالإحباطِ ، فإذا رَجَعَ وأنصت وسَمَعَ وتدبَّر كلام المولى ، بصوتٍ حسنٍ منْ قارئٍ خاشعٍ ، ثاب إليه رُشدُه ، وعادتْ إليه نفسهُ ، وقرَّتْ بلابلهُ ، وسكنتْ لواعِجُه . إنني أُحذَّرك بهذا الكلامِ عنْ قومٍ جعلُوا الموسيقى أسباب أُنسِهمْ وسعادتِهمْ وارتياحِهم ، وكتبُوا في ذلك كُتُباً ، وتبجَّح كثيرٌ منهمْ بأنَّ أجمل الأوقات وأفضل الساعات يوم يُنصت إلى الموسيقى ، بلْ إنَّ الكُتَّاب الغربيين الذين كتبُوا عن السعادةِ وطردِ القلقِ يجعلون منْ عواملِ السعادةِ الموسيقى . ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ﴾ ، ﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾ .
إنَّ هذا بديلٌ آثِم ، واستماعٌ محرَّم ، وعندنا الخيْرُ الذي نزل على محمدٍ  ، والصِّدقُ والتوجيهُ الرَّاشدُ الحكيمُ ، الذي تضمَّنه كتاب اللهِ عزَّ وجلَّ : ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
فسماعٌنا للقرآنِ سماعٌ إيمانيٌّ شرعيٌّ محمديٌّ سنيٌّ ﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ ، وسماعُهم للموسيقى سماعٌ لاهٍ عابثٌ ، لا يقومُ به إلا الجَهَلةُ والحمقى والسُّفهاءُ من الناسِ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ .
*****************************************
كلٌّ يبحثُ عنِ السعادةِ ولكنْ

للعالمِ الإسكافيِّ كتابٌ بعنوان ( لُطْفُ التدبيرِ ) وهو كتابٌ جمُّ الفائدةِ ، أخَّاذٌ جذَّابٌ جلاَّبٌ ، مؤدَّى الكلامِ فيه البحثُ عن السيادةِ والسعادةِ والرِّيادةِ ، فإذا الاحتيالُ والمكرُ والدهاءُ ، وضَرْبٌ من السياسةِ ، وأفانينُ من الالتواءِ ، فَعًَلها كثيرٌ من الملوكِ والرؤساءِ ، والأدباءِ والشعراءِ ، وبعضِ العلماءِ ، كلُّهم يريدُ أنْ يهدأ وأنْ يرتاح ، وأنْ يحصل على مطلوبهِ ، حتى إنّهُ منْ عناوينِ هذا الكتابِ :
في لطفِ التدبيرِ ، تسكيرُ شغْبٍ ، وإصلاحُ نِفارٍ أو ذاتِ بيْن ، ماذا يفعلُ المنهزمُ في مكائدِ الأعداءِ ، مُكايَدَةُ صغيرٍ لكبيرٍ ، في دفعِ مكروهٍ بقولٍ ، في دفعِ مكروهٍ بمكروهٍ ، في دفعِ مكروهٍ بلُطفٍ ، في لُطفِ التدبيرِ في دفعِ مكروهٍ ، في مُداراةِ سلطانٍ ، في الانتقامِ منْ سالِب مُلكٍ ، في الخلاصِ منْ نِقْمةٍ في الفتْكِ والاحترازِ منُه في إظهارِ أمرٍ لإخفاءِ غيرِه . إلى آخرِ تلك الأبوابِ .
ووجدتُ أنَّ الجميع كلَّهمْ يبحثون عنِ السعادِة والاطمئنانِ ، ولكنْ قليلٌ منهمْ منِ اهتدى إلى ذلك ووُفِّق لنيْلِها . وخرجتُ من الكتابِ بثلاثِ فوائد :
الأولى : أنَّ منْ لم يجعلِ الله نصب عينيه ، عادتْ فوائدُه خسائِر وأفراحُه أتراحاً ، وخيراتُه نكباتٍ ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
الثانيةِ : أنَّ الطرق الملتوية الصَّعْبة التي يسعى إليها كثيرٌ من الناسِ في غيرِ الشريعةِ ، لنيلِ السعادةِ ، يجدونها – بطُرُقٍ أسهَلَ وأقرَبَ – في طريق الشرعِ المحمديِّ ، ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ فينالون خَيْرَ الدنيا وخَيْرَ الآخرةِ .
الثالثةِ : أنَّ أُناساً ذهبتْ عليهمْ دنياهم وأخراهم ، وهمْ يظُنُّون أنهم يُحسنون صُنعاً ، وينالون سعادةً ، فما ظفرُوا بهذه ولا بتلك ، والسببُ إعراضُهم عن الطريقِ الصحيحِ الذي بعث اللهُ به رُسُلَهُ ، وأنزل به كتبه ، وهي طلبُ الحقِّ ، وقولُ الصدْقِ ، ﴿ َتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ .
كان أحدُ الوزراءِ في لهوهِ وطربِه ، فأصابه غمٌّ كاتِمٌ ، وهمٌّ جاثِمٌ فصرخ :
ألا موتٌ يُباعُ فأشترِيهِ

فهذا العيشُ ما لا خير فيهِ

إذا أبصرتُ قبراً من بعيدٍ


وددتُ لو أنني ممَّا يليِهِ

ألا رحِم المهيمنُ نفْس حُرٍّ

تصدَّق بالوفاةِ على أخيهِ

**************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 11:58

وقفــــةٌ

« فليُكْثِرِ الدُّعاء في الرَّخاءِ : أيْ في حالِ الرَّفاهيةِ والأمنِ والعافيةِ ؛ لأنَّ مِنْ سمةِ المؤمنِ الشاكرِ الحازمِ ، أنْ يرِيش الشهم قبل الرمْي ، ويلتجئ إلى اللهِ قبْل الاضطرارِ ، بخلافِ الكافرِ الشَّقيِّ والمؤمنِ الغبيِّ ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ .
فتعيَّن على منْ يريدُ النجاةَ مِنْ ورطاتِ الشَّدائدِ والغُمومِ ، أنْ لا يفعل بقلبهِِ ولسانِه عنِ التَّوجُّهِ إلى حضرةِ الحقِّ – تقدّسَ – بالحمْدِ والابتهالِ إليه والثَّناء عليه ، إذ المراد بالدعاء في الرخاء – كما قاله الإمام الحليمي – دعاء الثناءِ والشُّكرِ والاعترافِ بالمِنن ، وسؤالِ التوفيقِ والمعونةِ والتَّأييدِ . والاستغفارِ لعوارضِ التَّقصيرِ ، فإنَّ العبد – وإنْ جهِد – لم يُوفِّ ما عليهِ منْ حقوقِ الله بتمامِها ، ومنْ غفل عنْ ذلك ، ولم يُلاحظْه في زَمَنِ صِحَّتِهِ وفراغِه وأمْنِهِ ، فقدْ صدقَ عليه قولُه تعالى : ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ » .
**************************************
نعيمٌ وجحيمٌ

نشرتْ الصحفُ العالميةُ خبراً عن انتحارِ رئيسِ وزراءِ فرنسا في حُكمِ الرئيسِ ميتران ، والسببُ في ذلك أنَّ بعض الصحفِ الفرنسية شنَّتْ عليهِ غارةً من النقْدِ والشتْمِ والتَّجريحِ ، فلمْ يجدْ هذا المسكينُ إيماناً ولا سكينةً ولا استقراراً يعودُ إليه ، ولم يجدْ منْ يركنُ إليه ، فبادر فأزْهَقَ رُوحَه .
إنَّ هذا الرجل المسكين الذي أقدم على الانتحارِ لم يهتدِ بالهدايةِ الرَّبّانيَّةِ المتمثَّلةِ في قولِهِ سبحانه : ﴿ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ وقولِه سبحانه : ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ﴾ ، وقوله : ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ ، لأنَّ الرجل فَقَدَ مفتاح الهدايةِ ، وطريق السَّدادِ وسبيل الرَّشادِ : ﴿ مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ .
إنَّ منْ وصايا الآخرين لكلِّ مُثْقلٍ بالهمِّ والحزنِ ، أنْ يأمروه بالجلوسِ على ضفافِ النهرِ ، ويستمتع بالموسيقى ، ويلعب النَّرْد ، ويتزلَّج على الثْلجِ .
لكنْ وصايا أهل الإسلامِ ، وأهلَ العبوديَّةِ الحقَّةِ : جلسةٌ بين الأذانِ والإقامِة في روضةٍ منْ رياضِ الجنَّةِ ، وهتافٌ بذِكرِ الواحد الأحدِ ، وتسليمٌ بالقضاءِ والقدرِ ، ورضاً بما قسم اللهُ ، وتؤكُّلٌ على اللهِ جلَّ وعلا .
************************************
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

نَزَلَ هذا الكلامُ على رسولِ اللهِ  فتحقَّقتْ فيه هذهِ الكلمةُ ، فكان سهل الخاطرِ ، منشرح الصدرِ ، متفائلاً ، جيَّاشَ الفؤادِ ، حيَّ العاطفةِ ، ميسَّراً في أمورِهِ ، قريباً من القلوبِ ، بسيطاً في عظمةٍ ، دانياً من الناسِ في هيبةٍ ، متبسماً في وقارٍ ، متحبباُ في سموٍّ ، مألوفاً للحاضر والبادي ، جمَّ الخُلُقِ ، طلْقَ المُحيَّا ، مشرق الطلْعةِ ، غزير الحياءِ ، يهشُّ للدُّعابةِ ، ويَبَشُّ للقادِم ، مسروراً بعطاءِ اللهِ ، جذِلاُ بالهِباتِ الرَّبانيَّةِ ، لا يعتريه اليأسُ ، ولا يعرفُ الإحباط ، ولا يخلدُ إلى التَّخْذِيلِ ، ولا يعترفُ بالقنوطِ ، ويُعجبُه الفألُ الحسنُ ، ويكرهُ التَّعمُّق والتَّشدُّق ، والتَّفيْهُق والتَّكلُّف والتَّنطُّع ؛ لأنهُ صاحبُ رسالةٍ ، وحاملُ مبدأ ، وقدوةُ أُمَّةٍ ، وأُسوةُ أجيالٍ ، ومعلِّمُ شعوبٍ ، وربُّ أسرةٍ ، ورجُلُ مجتمعٍ ، وكنْز مُثُلٍ ، ومَجْمَعُ فضائل ، وبحرُ عطايا ، ومشرِقُ نورٍ .
إنه باختصارٍ : ميسرٌ لليُسرى ، ، وإنه بإيجازٍ ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ أو بعبارةٍ أخرى : ﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ وكفى !! ﴿ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{45} وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ﴾ .
إنَّ مما يُعارضُ الرسالة الميسَّرة السهلة : تنطُّعُ الخوارجِ ، وتزندُقُ أهلِ المنطقِ عبيدِ الدنيا ، وانحرافُ مرتزقةِ الأفكار ﴿ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
******************************************
مفهومُ الحياةِ الطَّيِّبةِ

يقولُ أحدُ أذكياءِ الإنكليزِ : بإمكانك وأنت في السجنِ منْ وراءِ القضبانِ الحديديةِ أنْ تنظُرَ إلى الأُفُقِ ، وأنْ تُخْرِج زهرةً منْ جيبِك فتشُمَّها وتبتسم ، وأنت مكانك ، وبإمكانِك وأنت في القصْرِ على الديباج والحريرِ ، أنْ تحتدَّ وأنْ تغضب وأنْ تثور ساخطاً منْ بيتِك وأسرتِك وأموالِك .
إذنْ السعادةُ ليستْ في الزمانِ ولا في المكانِ ، ولكنَّها في الإيمانِ ، وفي طاعةِ الدَيَّانِ ، وفي القلبِ . والقلبُ محلُّ نظرِ الرَّبَّ ، فإذا استقرَّ اليقينُ فيه ، انبعثتِ السعادةُ ، فأضفتْ على الروح وعلى النفسِ انشراحاً وارتياحاً ، ثمَّ فاضتْ على الآخرين ، فصارتْ على الظِّرابِ وبطونِ الأودية ومنابتِ الشجرِ .
أحمدُ بنُ حنبل عاش سعيداً ، وكان ثوبُه أبيض مرقَّعاً ، يخيطُه بيدِهِ ، وعندهُ ثلاثُ غُرفٍ منْ طينٍ يسكُنها ، ولا يجدُ إلا كِسرَ الخُبْزِ مع الزيتِ ، وبقي حذاؤه – كما قال المترجمون عنهُ – سبع عشرة سنةً يرقِّعها ويخيطُها ، ويأكلُ اللحم في شهرٍ مرَّةً ويصومُ غالب الأيامِ ، يذرعُ الدنيا ذهاباً وإياباً في طلَبِ الحديثِ ، ومع ذلك وجد الراحة والهدوء والسكينة والاطمئنان ؛ لأنهُ ثابتُ القدم ، مرفوعُ الهامةِ ، عارفٌ بمصيرِه ، طالبٌ لثوابٍ ، ساعٍ لأجرٍ ، عاملٌ لآخرةٍ ، راغبٌ في جنَّةٍ .
وكان الخلفاءُ في عهدِه – الذين حكموا الدنيا – المأمونُ ، والواثقُ ، والمعتصمُ ، والمتوكلُ عندهم القصورُ والدُّورُ والذهبُ والفضةُ والبنودُ والجنودُ ، والأعلامُ والأوسمةُ والشاراتُ والعقاراتُ ، ومعهمْ ما يشتهون ، ومع ذلك عاشُوا في كَدَرٍ ، وقَضَوْا حياتَهم في همٍّ وغمٍّ ، وفي قلاقل وحروبٍ وثوراتٍ وشَغَبٍ وضجيجٍ ، وبعضُهم كان يتأوَّهُ في سكراتِ الموتِ نادماً على ما فرَّط ، وعلى ما فعل في جنبِ اللهِ .
ابنُ تيمية شيخُ الإسلامِ ، لا أهل ولا دار ولا أسرة ولا مال ولا منصب ، عندهُ غرفةٌ بجانبِ جامعِ بني أمية يسكنُها ، ولهُ رغيفٌ في اليومِ ، وله ثوبانِ يغيِّر هذا بهذا ، وينامُ أحياناً في المسجدِ ، ولكنْ كما وَصَف نفسه : جنَّتُه في صدرِه ، وقتْلُه شهادةٌ ، وسجْنه خِلْوةٌ ، وإخراجهُ منْ بلدِهِ سياحةٌ ؛ لأن شجرة الإيمانِ في قلبِهِ استقامتْ على سُوقِها ، تُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها يمُدُّها زيتُ العنايةِ الربانيةِ ، ﴿ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ ، ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ ،﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾ ،﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ .
خرج أبو ذرٍّ رضي اللهُ عنه وأرضاهُ إلى الرَّبذةِ ، فنصب خيمتهُ هناكَ ، وأتى بامرأتِه وبناتِهِ ، فكان يصومُ كثيراً من الأيامِ ، يذكُرُ مولاهُ ، ويسبِّحُ خالقهُ ، ويتعبَّدُ ويقرأُ ويتلو ويتأمَّلُ ، لا يملكُ من الدنيا إلا شمْلةً أو خيمةً ، وقطعةً من الغنمِ مع صحْفةٍ وقصْعةٍ وعصا ، زارَهُ أصحابُه ذات يوم ، فقالوا : أين الدنيا؟ قال : في بيتي ما أحتاجُه من الدنيا ، وقدْ أخبرنا  أنَّ أمامنا عقبةً كؤوداً لا يجيزُها إلا المُخِفُّ .
كان منشرحَ الصدرِ ، ومنثلج الخاطرِ ، فعندهُ ما يحتاجُه من الدنيا ، أمّا ما زاد على حاجتِه ، فأشغالٌ وتبِعاتٌ وهمومٌ وغمومٌ .
قلتُ في قصيدةٍ بعنوان : أبو ذرٍّ في القرن الخامسِ عَشَرَ ، متحدِّثاً عنْ غُربةِ أبي ذرٍّ وعن سعادتِه ، وعن وحدتِه وعزلتِه ، وعن هجرتِه بروحِه ومبادئِه ، وكأنه يتحدثُ عن نفسِه :
لاطفُوني هدَّدْتُهم هدَّدُوني

بالمنايا لاطفتُ حتى أحسَّا

أركبُوني نزلتُ أركبُ عزْمي


أنزلُوني ركِبتُ في الحقِّ نفْسا

أطرُدُ الموت مُقْدِماً فيُولِّي


والمنايا أجتاحُها وهْي نعْسَى

قد بكتْ غربتي الرمالُ وقالتْ


يا أبا ذرٍّ لا تخفْ وتأسَّا

قلتُ لا خوف لم أزلْ في شبابٍ


مِنْ يقيني ما مِتُّ حتى أُدسَّا

أنا عاهدتُ صاحِبِي وخليلي

وتلقَّنْتُ منْ أمالِيهِ درْسا

***************************************************
إذنْ فما هي السعادةُ ؟!
(( كنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل )) ، (( فطوبى للغرباءِ )) .

ليسِ السعادةُ قصر عبدِالملك بنِ مروان ، ولا جيوش هارونِ الرشيدِ ولا دُور ابنِ الجصَّاصِ ، ولا كنوز قارون ، ولا في كتابِ الشفاءِ لابنِ سينا ، ولا في ديوانِ المتنبي ، ولا في حدائقِ قرطبة ، أو بساتينِ الزهراءِ .
السعادةُ عند الصحابِة مع قلَّةِ ذاتِ اليدِ ، وشظفِ المعيشةِ ، وزهادهِ المواردِ ، وشُحِّ النَّفقةِ .
السعادةُ عند ابنِ المسيبِ في تألُّهِه ، وعند البخاري في صحيحِهِ ، وعند الحسنِ البصريِّ في صِدْقِهِ ، ومع الشافعيِّ في استنباطاتِه ، ومالكٍ في مُراقبتِه ، وأحمد في ورعِهِ ، وثابتٍ البنانيِّ في عبادتهِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ .
ليستِ السعادةُ شيكاً يُصرفُ ، ولا دابةً تُشترَى ، ولا وردةً تُشَمّ ، ولا بُرّاً يُكالُ ، ولا بزّاً يُنشرُ .
السعادةُ سلوةُ خاطرٍ بحقٍّ يحمِلُه ، وانشراحُ صدرٍ لمبدأ يعيشُه، وراحةُ قلبٍ لخيرٍ يكْتنِفُه.
كنّا نظُنُّ أننا إذا أكثْرنا من التوسٌّعِ في الدُّوِر ، وكثْرةِ الأشياءِ ، وجمْعِ المسهِّلاتِ والمرغِّباتِ والمشتهياتِ ، أننا نسعدُ ونفرحُ ونمرحُ ونُسرُّ ، فإذا هي سببُ الهمِّ والكَدَرِ والتنغيصِ ؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ بهمِّه وغمِّه وضريبةِ كدِّهِ وكدْحِهِ ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ .
إنَّ أكبر مُصلِحٍ في العالمِ رسولُ الهدى محمدٌ  ، عاش فقيراً ، يتلوَّى من الجوعِ ، لا يجدُ دقْلَ التمرِ يسدُّ جوعه ، ومع ذلك عاش في نعيمٍ لا يعلمُه إلا اللهُ ، وفي انشراحٍ وارتياحٍ ، وانبساطٍ واغتباطٍ ، وفي هدوءٍ وسكينةٍ ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ{2} الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ، ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ ، ﴿ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .
في الحديثِ الصحيحِ : (( البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ ، والإثم ما حاك في صدرِك وكرهْت أن يطلع عليه الناسُ )) .
إنَّ البرَّ راحةٌ للضميرِ ، وسكونٌ للنفسِ ، حتى قال بعضُهم :
البرُّ أبقى وإنْ طال الزَّمانُ به
والإثمُ أقبحُ ما أوعيت منْ زادِ

وفي الحديث : (( البرُّ طُمأنينةٌ ، والإثم ريبةٌ )) . إنَّ المحسن صراحةً يبقى في هدوءٍ وسكينةٍ ، وإنَّ المريب يتوجَّسُ من الأحداثِ والخطراتِ ومن الحركاتِ والسَّكناتِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ . والسببُ أنه أساء فحسْبُ ، فإنَّ المسيء لابدَّ أنْ يقلق وأنْ يرتبِك وأنْ يضطرب ، وأنْ يتوجَّس خِيفةً .
إذا ساءِ فِعْلُ المرءِ ساءتْ ظنونُهُ
وصدَّق ما يعتادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ

والحلُّ لمنْ أراد السعادة ، أنْ يُحْسن دائماً ، وأنْ يتجنَّب الإساءة ، ليكون في أمنٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .
أقبل راكبٌ يحثُّ السير ، يثورُ الغبارُ منْ على رأسِهِ ، يريدُ سعد بن أبي وقَّاصٍ ، وقدْ ضرب سعدٌ خيمتهُ في كبِدِ الصحراءِ ، بعيداً عنِ الضجيجِ ، بعيداً عنِ اهتماماتِ الدَّهْماءِ ، منفرداً بنفسِهِ وأهلِهِ في خيمتِهِ ، معهُ قطيعٌ من الغنمِ ، فاقترب الراكبُ فإذا هو ابنُه عُمَرُ ، فقال ابنُه له : يا أبتاهُ ، الناسُ يتنازعون الملك وأنت ترعى غنمك . قال : أعوذُ باللهِ منْ شرِّك ، إني أولى بالخلافةِ منِّي بهذا الرداءِ الذي عليَّ ، ولكن سمعتُ الرسول  يقولُ : (( إنَّ الله يحبُّ العبد الغنيَّ التَّقيَّ الخفيَّ )) .
إن سلامة المسلمِ بدينِه أعْظمُ منْ مُلكِ كسرى وقيصر ؛ لأنَّ الدين هو الذي يبقى معك حتى تستقرَّ في جناتِ النعيمِ ، وأما الملكُ والمنصبُ فإنَّهُ زائلٌ لا محالة ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ .
******************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 12:00

إليهِ يصعدُ الكلِمُ الطَّيَّبُ

كان للصحابةِ كنوزٌ من الكلماتِ المباركاتِ الطَّيِّباتِ ، التي عَّمهم إياها صفوةُ الخلْقِ  .
وكلُّ كلمةٍ عند أحدِهم خيرٌ من الدنيا وما فيها ، ومِنْ عظمتِهمْ معرفتُهم بقيمةِ الأشياءِ ومقاديرِ الأمورِ .
أبو بكرٍ يسألُ الرسول  أنْ يُعلِّمه دعاءً ، فقال له : (( قلْ : ربِّ إني ظلمتُ نفسي ظُلماً كثيراً ، ولا يغفرُ الذنوب غلا أنت ، فاغفرْ لي مغفرةً منْ عندِك وارحمني ، إنك أنت الغفورُ الرحيمُ )) .
ويقولُ  للعباسِ : (( اسألِ الله العفو والعافية )) .
ويقولُ لعليٍّ : (( قلْ : اللَّهمَّ اهدنِي وسدِّدْني )) .
ويقولُ لعبيدِ بنِ حصينٍ : (( قلْ : اللهمَّ ألهمْنِي رُشدي ، وقِنِي شرَّ نفسْي )) .
ويقولُ لشدَّادِ بن أوسٍ : (( قلْ : اللهمَّ إني أسالُك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشدِ ، وشُكرَ نعمتِك ، وحُسْنَ عبادتِك ، وأسألُك قلباً سليماً ، ولساناً صادقاً ، وأسألُك مِنْ خَيْرِ ما تعْلمُ ، وأعوذُ بك منْ شرِّ ما تعلمُ ، وأستغفرُك لما تعلمُ ، إنك أنت علاَّمُ الغيوبِ )) .
ويقولُ لمعاذٍ : (( قلْ : اللهمَّ أعني على ذكرِك وشُكْرِك وحُسْنِ عبادتِك )) .
ويقولُ لعائشة : (( قولي : اللهم إنك عفُوٌّ تحبُّ العَفْوَ ، فاعْفُ عنِّي )) .
إنَّ الجامعَ لهذهِ الأدعيةِ : سؤالُ رضوانِ اللهِ عزَّ وجلَّ ورحمتِهِ في الآخرةِ ، والنَّجاةِ منْ غضبِه ، وأليمِ عقابِه ، والعونِ على عبادتِه سبحانه وتعالى وشكرِه .
وإنَ الرّابط بينها : طَلَبُ ما عند اللهِ ، والإعراضُ عمَّ في الدنيا . إنهُ ليس فيها طلبُ أموالِ الدنيا الفانيةِ ، وأعراضِها الزائلِة ، أو زخرِفها الرخيصِ .
**************************************
﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾

إنَّ منْ تعِاسةِ العبدِ ، وعثْرةِ قدمِهِ وسقوطِ مكانتِهِ : ظُلمُهُ لعبادِ اللهِ ، وهضْمُهُ حقوقهم ، وسحْقُه ضعيفهم ، حتى قال أحدُ الحكماءِ : خفْ ممَّن لم يجدْ له عليك ناصراً إلا الله .
ولقدْ حفظ لنا تاريخُ الأممِ أمثلةً في الأذهانِ عنْ عواقبِ الظَّلمةِ .
فهذا عامرُ بنُ الطفيل يكيد للرسول  ، ويحاولُ اغتيالهُ ، فيدعو عليه  ، فيبتليه اللهُ بغدَّةٍ في نحْرِه ، فيموتُ لساعتِه ، وهو يصرخُ من الألمِ .
وأربدُ بنُ قيسٍ يؤذي رسول اللهِ  ، ويسعى في تدبيِر قتْلِهِ ، فيدعو عليه ، فيُنزلُ اللهُ عليه صاعقةً تحرقُه هو وبعيرُه .
وقبل أنْ يقتُل الحجاجُ سعيد بن جبيرٍ بوقتٍ قصيرٍ ، دعا عليه سعيدٌ وقال : اللَّهمَّ لا تسلِّطْهُ على أحدٍ بعدي . فأصاب الحجاجَ خُرَّاجٌ في يدهِ ، ثمَّ انتشر في جسمِهِ ، فأخذ يخوُر كما يخورُ الثورُ ، ثم مات في حالةٍ مؤسفةٍ .
واختفى سفيانُ الثوريُّ خَوْفاً منْ أبي جعفرِ المنصورِ ، وخرج أبو جعفر يريدُ الحرمَ المكِّيَّ وسفيانُ داخل الحرمِ ، فقام سفيانُ وأخذ بأستارِ الكعبةِ ، ودعا الله عزَّ وجلَّ أن لا يُدِخِلَ أبت جعفر بيته ، فمات أبو جعفر عند بئرِ ميمونٍ قبل دخولِه مكَّةَ .
وأحمدُ بن أبي دؤادٍ القاضي المعتزليُّ يُشاركُ في إيذاءِ الإمامِ أحمدِ بن حنبل فيدعو عليهم فيُصيبُه اللهُ بمرض الفالجِ فكان يقول : أمَّا نصفُ جسمي ، فلوْ وقع عليه الذبابُ لظننتُ أنَّ القيامة قامتْ ، وأمَّا النصفُ الآخرُ ، فلو قُرِض بالمقاريض ما أحسستُ .
ويدعو أحمدُ بنُ حنبل أيضاً على ابن الزَّيّاتِ الوزيرِ ، فيسلِّطُ اللهُ عليه منْ أخذَهُ ، وجعَلَهُ في فرنٍ من نارٍ ، وضرب المسامير في رأسِه .
وحمزةُ البسيونيُّ كان يعذِّبُ المسلمين في سجنِ جمالِ عبدِالناصر ، ويقولُ في كلمةٍ له مؤذية : « أين إلُهكمْ لأضعَهُ في الحديدِ » ؟ تعالى اللهُ عمَّا يقولُ الظالمون علوّاً كبيراً . فاصطدمتْ سيارتُه – وهو خارجٌ من القاهرةِ إلى الإسكندريةِ – بشاحنةٍ تحملُ حديداً ، فدخل الحديدُ في جسمه منْ أعلى رأسِهِ إلى أحشائِه ، وعَجَزَ المنقذون أنْ يُخرجوُه إلا قطعاً ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ .
وكذلك صلاحُ نصرٍ منْ قادةِ عبدِالناصرِ ، وممَّنْ أكثرَ في الأرضِ الظلُّم والفساد ، أصيب بأكثر منْ عشرةِ أمراضٍ مؤلمةٍ مُزمِنةٍ ، عاش عدَّة سنواتٍ منْ عمرِهِ في تعاسةٍ ، ولم يجدْ لهُ الطبُّ علاجاً ، حتى مات سجيناً مزجوجاً بهِ في زنزاناتِ زعمائِه الذين كان يخدمُهمْ .
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ{11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾ ، (( إنَّ الله ليُمْلي للظالمِ ، حتى إذا أخذهُ لم يُفْلِتْه )) ، (( واتَّقِ دعوة المظلومِ ، فإنه ليس بينها وبين اللهِ حجابٌ )) .
قال إبراهيمُ التيميُّ : إنَّ الرجل ليظلمُني فأرحَمُهُ .
وسُرقتْ دنانيرُ لرجلٍ صالح منْ خراسان ، فجعل يبكي ، فقال له الفضيلُ : لِم تبكي ؟ قال : ذكرتُ أنَّ الله سوف يجمعُني بهذا السارقِ يوم القيامةِ ، فبكيتُ رحمةً له .
واغتاب رجُلٌ أحد علماءِ السلفِ ، فأهدى للرجُلِ تمراً وقال : لأنهُ صنع لي معروفاً .
*****************************************

قلتُ : بالبابِ أنا

على هيئةِ الأممِ المتحدةِ بنيويورك لوحةٌ ، مكتوبٌ عليها قطعةٌ جميلةٌ للشاعرِ العالميِّ السعدي الشيرازي ، وقدْ ترجمتْ إلى الإنجليزيةِ وهي تدعو إلى الإخاءِ والأُلفةِ والاتحادِ ، يقول:

قال لي المحبوبُ لمَّا زرتُهُ

منْ ببابي قلتُ بالبابِ أنا

قال لي أخطأت تعريف الهوى


حينما فرَّقت فيه بيْنَنَا

ومضى عامٌ فلمَّا جئتُهُ


أطرُقُ الباب عليه مُوهِنا

قال لي منْ أنتَ قلتُ أنْظُرْ فما


ثم َّ إلاَّ أنتَ بالبابِ هُنا

قال لي أحسنت تعريف الهوى

وعَرَفْتَ الحُبَّ فادخُلْ يا أنا


لابُدَّ للعبد منْ أخٍ مفيدٍ يأنسُ إليه ، ويرتاحُ إليه ، ويُشاركُه أفراحهُ وأتراحهُ ، ويبادلُه ودّاً بودٍّ . ﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي{29} هَارُونَ أَخِي{30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي{31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي{32} كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً{33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ﴾ .
ولابدُّ منْ شكوى إلى ذي قرابةٍ
يُواسيك أو يُسلِيك أو يَتَوجَّعُ


﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ ، ﴿ كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ ، ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ .
******************************************
لابدَّ منْ صاحبٍ

إنَّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ تجد منْ تنفعُك صُحبتُه ، وتُسعدُك رفقتُه . (( أين المتحابُّون في جلالي ، اليوم أُظِلُّهمْ في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلا ظلِّي )) .
(( ورجلانِ تحابَّا في اللهِ ، اجتمعا عليهِ وتفرَّقا عليِه )) .
******************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 12:04

الأمْنُ مطلبٌ شرعيٌّ وعقليٌّ

﴿ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ ، ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ، ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ ، ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ .
(( منْ بات آمِناً في سِرْبِهِ ، مُعافىً في بدنِهِ ، عنده قُوتُ يومِهِ ، فكأنَّما حِيزتْ له الدنيا بحذافيرِها )) .
فأمنُ القلبِ : إيمانُه ورسوخُه في معرفةِ الحقِّ ، وامتلاؤُه باليقينِ .
وأمْنُ البيتِ : سلامتُه من الانحرافِ ، وبُعْدُه عنِ الرذيلةِ ، وامتلاؤُهُ بالسكينةِ ، واهتداؤه بالبرهانِ الرَّبّانيِّ .
وأمْنُ الأمةِ : جمْعُها بالحبِّ ، وإقامةُ أمرِها بالعَدْلِ ، ورعايتُها بالشريعةِ .
والخوف عدوُّ الأمنِ ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
ولا راحة لخائفٍ ولا أمْن لملحِدٍ ، ولا عيش لمريضٍ .

إنَّما العُمرُ صحَّةٌ وكفافٌ
فإذا وليا عن العُمرِ ولَّى


للهِ ما أتْعسَ الدَّنيا ، إنْ صحَّتْ منْ جانبٍ فسدتْ منْ جانبٍ آخر ، إنْ أقبل المالُ مَرِضَ الجسمُ ، وإنْ صحَّ الجسمُ حلَّتِ المصائبُ ، وإنْ صلُح الحالُ واستقام الأمرُ حلَّ الموتُ .
خرج الشاعرُ الأعشى منْ ( نجدٍ ) إلى الرسولِ  يمتدحُه بقصيدةٍ ويسلمُ ، فعرض له أبو سفيان فأعطاهُ مائة ناقةٍ ، على أنْ يترك سفَرَهُ ويعود إلى ديارِهِ ، فأخذ الإبل وعاد ، وركب أحدها فهو جلتْ به ، فسقط على رأسِهِ ، فاندقَّتْ عنقُهُ ، وفارق الحياة ، بلا دينٍ ولا دنيا. أمَّ قصيدتُه التي هيَّأها ليقولها بين يديْ رسول اللهِ  ، فهي بديعةُ الحُسْنِ يقولُ فيها:

شبابٌ وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌ

فللّهِ هذا الدَّهرُ كيف تردَّدا

إذا أنت لمْ ترْحلْ بزادٍ من التُّقى


ولاقيت بعد الموتِ منْ قدْ تزوَّدا

ندمْت على أنْ لا تكون كمثْلِهِ

وأنَّك لمْ تُرْصِدْ لما كان أرْصدَا

***************************************
أمجادٌ زائلةٌ

إنَّ منْ لوازمِ السعادةِ الحقَّةِ أنْ تكون دائمةً تامَّةً ، فدوامُها أنْ تكون في الدنيا والآخرةِ ، في الغيبِ والشهادةِ ، اليوم وغداً .
وتمامُها أنْ لا يُنغِّصها نكَدٌ ، وأنْ لا يخْدشَ وجهُ محاسِنها بسخطٍ .
جلس النعمانُ بنُ المنذرِ – ملكُ العراقِ – تحت شجرةٍ متنزَّهاً يشربُ الخَمْرَ فأراد عديُّ بنُ زيد – وكان حكيماً – أنْ يعظه بلفظٍ فقال له : أيُّها الملكُ ، أتدري ماذا تقولُ هذهِ الشَّجرةُ ؟ قال الملكُ : ماذا تقول : قال عديٌّ : تقولُ :
رُبَّ ركبِ قدْ أناخُوا حولنا

يمْزُجُون الخمر بالماءِ الزُّلالْ

ثمَّ صاروا لَعِب الدَّهْرُ بهمْ

وكذاك الدَّهرُ حالاً بعد حالْ

فتنغصُ النعمانُ ، وترك الخمر ، وبقي متكدِّراً حتى مات .
وهذا شاهُ إيران الذي احتفل بمرورِ ألفينِ وخمسمائةِ سنةٍ على قيام الدولةِ الفارسيِّةِ ، وكان يُخطِّطُ لتوسيعِ نفوذِه ، وبسْطِ ملكهِ على بقعةٍ أكبر منْ بلدِهِ ، ثم يُسلب سلطانُه بين عشيَّةٍ وضحاها ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء ﴾ .
ويطرُدُ منْ قصورِهِ ودُورِهِ ودنياه طرداً ، ويموتُ مشرَّداً بعيداً محرُوماً مفلساً ، لا يبكي عليه أحدٌ : ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ{26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾ .
وكذلك شاوشيسكو رئيسُ رومانيا ، الذي حكم اثنتين وعشرين سنة ، وكان حَرَسُه الخاصُّ سبعين ألفاً ، ثمَّ يحيطُ شعبُه بقصرِهِ ، فيمزِّقونهُ وجنودهُ إرباً إرباً ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ ﴾ . لقدْ ذهب ، فلا دنيا ولا آخرة .
وذاك رئيسُ الفلبينِ ماركوس : جمع الرئاسة والمال ، ولكنَّه أذاق أمَّته أصناف الذُّلّ ، وأسقاها كأس الهوانِ ، فأذاقه اللهُ غُصص التعاسةِ والشقاءِ ، فإذا هو مشرَّدٌ منْ بلادِهِ ومنْ أهلِه وسلطانِه ، لا يملكُ مأوى يأوي إليه ، ويموتُ شقيّاً ، يرفضُ شعبُهُ أن يُدفَنَ في بلدِهِ : ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ، ﴿ فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ .
*********************************************
اكتسابُ الفضائل أكاليلٌ على هامِ الحياةِ السعيدةِ

مطلوبٌ من العبدِ لكيْ يكسب السعادة والأمن والراحة ، أن يُبادر إلى الفضائل ، وأنْ يُسارع إلى الصفاتِ الحميدةِ والأفعالِ الجميلةِ (( احرصْ على ما ينفعُك واستعِنْ باللهِ )) .
أحدُ الصحابةِ يسألُ الرسول  مرافقَتَهُ في الجنةِ فيقول : (( أعِنِّي على نفسِك بكثْرةِ السجودِ ، فإنَّك لا تسجُدُ للهِ سجدةً ، إلاَّ رَفَعَك بها درجة )) . والآخرُ يسألُ عنْ بابٍ جامعٍ من الخيرِ ، فيقولُ له : (( لا يزالُ لسانُك رطباُ من ذكر اللهِ )) . وثالثٌ يسألُ فيقولُ له : (( لا تسُبَّنَّ أحداً ، ولا تضرِبنَّ بيدِك أحداً ، وإنْ أحدٌ سبَّك بما يعلمُ فيك فلا تسُبَّنَّه بما تعلمُ فيه ، ولا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً ، ولو أنْ تُفْرِغ منْ دَلْوِك في إناءِ المستقي )) .
إنَّ الأمر يقتضي المبادَرَةَ والمُسارعة : (( بادرِوا بالأعمالِ فتناً )) ، (( اغتنِمْ خمساً قبل خمسٍ )) ، ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ، ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ .
لا تُهمِلْ في فِعْلِ الخَيْرِ ، ولا تنتظرْ في عملِ البِرِّ ، ولا تُسوِّفْ في طَلَبِ الفضائلِ :
دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إنَّ الحياة دقائقٌ وثوانِ

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ .
عمرُ بنُ الخطابِ بعد أنْ طُعِن وثَجَّ دمُه ، يرى شابّاً يجرُّ إزاره ، فقال له عمرُ : (( يا ابن أخي ، ارْفَعْ إزارك ، فإنهُ أتقى لربِّك ، وأنْقى لثوبك )) . وهذا أمرٌ بالمعروفِ في سكراتِ الموتِ ﴿ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ .
إنَّ السعادة لا تحصلُ بالنومِ الطويلِ ، والخلودِ إلى الدَّعةِ ، وهَجْرِ المعالي ، واطِّراحِ الفضائلِ . ﴿ وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ .
إنَّ منطق أصحابِ الهممِ الدَّنيَّةِ والنفوسِ الهابطةِ يقولُ : ﴿ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ ﴾ ، ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾ .
وقد نهي العبدُ بالوحي عن التَّأخرِ عنْ فِعلِ الخيرِ : ﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ ، ﴿ وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ﴾ ، ﴿ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ ﴾ ، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ﴾ ، ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى ﴾ ، (( اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من الكسلِ )) ، (( والكيُسُ منْ دان نفْسه وعمِل لما بعد الموتِ ، والعاجزُ منْ أتْبَعَ نَفْسَه هواها ، وتمنَّى على اللهِ الأماني )) .
*********************************************
الخُلدُ والنعيمُ هناك لا هُنا
هلْ تريدُ أن تبقى شابّاً مُعافىً غنيّاً مخلَّداً ؟ إنْ كنت تريدُ ذلك فإنهُ ليس في الدنيا ، بلْ هناك في الآخرةِ ، إنَّ هذهِ الحياة الدنيا كَنَبَ اللهُ عليها الشقاء والفناء ، وسمَّاها لهواً ولعِباً ومتاع الغرورِ .
عاش أحدُ الشعراءِ معدماً مُفِلساً ، وهو في عنفوان شبابِهِ ، يريدُ درهماً فلا يجدُهُ ، يريدُ زوجةً فلا يحصُلُ عليها ، فلمَّا كبرتْ سِنُّ وشاب رأسُه ، ورقَّ عَظْمُهُ ، جاءهُ المالُ منْ كلِّ مكانٍ ، وسهُلَ أمرُ زواجهِ وسكنِه ، فتأوَّه منْ هذه المتَادّاتِ وأنشد :
ما كنتُ أرجوهُ إذ كنتُ ابن عشرينا

مُلِّكْتُهُ بعد ما جاوزتُ سبعينا

تطُوفُ بي منْ بناتِ التُّركِ أغْزِلةٌ


مِثلُ الظِّباءِ على كُثبانِ يبرينا

قالوا أنينُك طول الليلِ يُسْهِرُنا

فما الذي تشتكي قلتُ الثمانينا

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ ﴾ ، ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ .
إنَّ مَثَلَ هذهِ الحياةِ الدنيا كمسافرٍ استظلَّ تحت ظلِّ شجرةٍ ثم ذهب وتركها .
**********************************
أعداءُ المنهجِ الرَّبانيّ
قرأتُ كتباً للملاحدِة الصَّادِّين عنْ منهج اللهِ شعراً ونثراً ، فرأيتُ كلام هؤلاءِ المنحرفين عنْ منهجِ الله في الأرضِ ، وطالعتُ سخافاتِهم ، ووجدتُ الاعتداء الجارف على المبادئِ الحقةِ ، وعلى التعاليمِ الرَّبّانيَّة ، ووجدتُ هذا الرُّكام الرخص الذي تفوَّهَ به هؤلاء ورأيتُ منْ سُوءِ أدبِهم ، ومنْ قلَّةِ حيائِهم، ما يستحي الإنسانُ أنْ ينقُل للناسِ ما قالوه وما كتبوه وما أنشدوهُ.
وعلمتُ أنَّ الإنسان إذا لمْ يحملْ مبدأً ولم يستشعِرْ رسالةً ، فإنَّهُ يتحوَّلُ إلى دابَّةٍ في مِسْلاخ إنسانٍ ، وإلى بهيمةٍ في هيكلٍ رجُلٍ : ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ .
وسألتُ نفسي ، وأنا أقرأُ الكتاب : كيف يَسْعَدُ هؤلاءِ وقدْ أعرضُوا عنِ اللهِ الذي يملكُ السعادة ويعطيها سبحانه وتعالى لمنْ يشاءُ ؟!
كيف يسعدُ هؤلاءِ وقدْ قطعوا الحبال بينهم وبينه ، وأغلقوا الأبواب بين أنفسِهم الهزيلةِ المريضِ وبين رحمةِ اللهِ الواسعةِ ؟!
كيف يسعدُ هؤلاءِ وقد أغضبُوا الله ؟!
وكيف يجدون ارتياحاً وقدْ حاربُوه ؟!
ولكنِّي وجدتُ أنَّ أول النَّكالِ أخذ يُصيبُهم في هذه الدارِ بمقدِّماتِ نكالٍ أخرويٍّ – إنْ لم يتوبوا – في نار جهنمِّ ، نكالُ الشقاءِ ، وعدمُ المبالاةِ ، والضِّيقُ ، والانهيارُ والإحباطُ : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ .
حتى إنَّ كثيراً منهمْ يريدُ أنْ يزول العالمُ ، وأنْ تنتهي الحياةُ ، وأنْ تُنسف الدنيا ، وأن يُفارق هذه المعيشة .
إنَّ القاسم المشترك الذي يجمعُ الملاحدة الأوَّلين والآخِرين هو : سوءُ الأدبِ مع اللهِ ، والمجازفةُ بالقيمِ والمبادئِ ، والرُّعُونةُ في الأخْذِ والعطاءِ والإعراضُ عن العواقبِ ، وعدمُ المبالاةِ بما يقولون ويكتبون ويعملون : ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ .
إنَّ الحلَّ الوحيد لهؤلاءِ الملاحدةِ ، للتَّخلُّصِ منْ همومِهم وأحزانِهم – إنّ لم يتوبوا ويهتدوا – أنْ ينتحرُوا ويُنهُوا هذا العيش المُرَّ ، والمرَ التافِه الرخيص: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ ، ﴿ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
******************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 12:05

حقيقةُ الدُّنيا
إنَّ ميزان السعادةِ في كتابِ اللهِ العظيمِ ، وإنَّ تقدير الأشياءِ في ذِكْرِهِ الحكيم ، فهو يقرِّرُ الشيء وقيمتهُ ومردودَهُ على العبدِ في الدُّنيا والآخرةِ ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ{33} وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ{34} وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
هذهِ هي حقيقةُ الحياةِ ، وقصورُها ودُورُها ، وذهبُها وفضَّتُها ومناصبُها .
إنَّ منْ تفاهتِها أنْ تعطي الكافر جملةً واحدةً ، وأن يُحْرَمَهَا المؤمنُ ليبيّن للناسِ قيمة الحياةٍ الدنيا.
إنَّ عتبة بن غزوان الصحابيَّ الشهير يستغربُ وهو يخطبُ الناس الجمعة : كيف يكونُ في حالةٍ مع رسولِ اللهِ  ، مع سيِّدِ الخَلْقِ يأكلُ معهُ وَرَقَ الشجرِ مجاهداً في سبيلِ اللهِ ، في أرْضى ساعاتِ عمرِهِ ، وأحلى أيامِهِ ، ثمَّ يتخلَّفُ عنْ رسولِ اللهِ  ، فيكونُ أميراً على إقليمٍ ، وحاكماً على مقاطعةٍ ، إنَّ الحياة التي تُقبلُ بعد وفاةِ الرسولِ  حياةٌ رخيصةٌ حقّاً .
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمُونها

على أنَّهمْ فيها عراةٌ وجُوَّعُ

أراها وإنْ كانت تُسِرُّ فإنها

سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشَّعُ

سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ يصيبُهُ الذهولُ وهو يتولَّى إمرة الكوفةِ بعدَ وفاةِ الرسولِ  ، وقدْ أكل معه الشجر ، ويأكلُ جلداً ميِّتاً ، يشويهِ ثمَّ يسحقُه ، ثم يحتسيهِ على الماءِ ، فما لهذهِ الحياةِ وما لقصورِها ودُورِها ، تُقبلُ بعد إدبارِ الرسولِ  ، وتأتي بعد ذهابهِ  ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ .
إذنْ في الأمر شيءٌ ، وفي المسألةِ سرٌّ ، إنها تفاهةُ الدنيا فَحَسْبُ ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ{55} نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴾ ، (( واللهِ ما الفقر أخشى عليكمْ )) .
لمَّ دخل عُمر على رسولِ اللهِ  وهو في المشْرَبِة ، ورآه على حصيرٍ أثَّر في جنبهِ ، وما في بيتهِ إلا شعيرٌ معلّقٌ ، دمعتْ عينا عُمَرَ .
إنَّ الموقف مؤثِّرٌ ، أنْ يكون رسولُ الله  قدوةُ الناسِ وإمامُ الجميع ، في هذهِ الحالةِ ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ .
ثمَّ يقولُ له عُمَرُ – رضي اللهُ عنه - : كسرى وقيصر فيما تعلمُ يا رسول اللهِ ! قال رسولُ الله  : (( أفي شكٍّ أنت يا بن الخطاب ، أما ترضى أن تكون لنا الآخرةُ ولهم الدنيا )) .
إنها معادلةٌ واضحةٌ ، وقسمةٌ عادلةٌ ، فلْيَرْضَ مَنْ يرضى ، ولْيَسخطْ منْ يسخطُ ، وليطلُبِ السعادة منْ أرادها في الدِّرهمِ والدينارِ والقصرِ والسيارةِ ويعملْ لها وحدها ، فلنْ يجدها والذي لا إله إلا هو .
﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ{15} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
عفاءٌ على دنيا رَحَلْتُ لغيرِها
فليس بها للصّالحين مُعَرَّجُ

****************************************
مفتاحُ السعادةِ

إذا عرفت الله وسبَّحْته وعبدْتَهُ وتألَّهْتهُ وأنت في كوخٍ ، وجدت الخَيْرَ والسعادةَ والراحة والهدوء .
ولكنْ عند الانحرافِ ، فلوْ سكنت أرقى القصورِ ، وأوسع الدورِ ، وعندك كلُّ ما تشتهي، فاعلمْ أنَّها نهايتُك المُرَّةُ ، وتعاستُك المحققةُ ؛ لأنك ما ملكت إلى الآنِ مفتاح السعادةِ.
﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾ .
*****************************************
وقفـــةٌ

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ . إي : يدفعُ عنهمُ شرور الدنيا والآخرة .
« هذا إخبارٌ ووعدٌ وبشارةٌ من اللهِ للذين آمنوا ، أنه يدفعُ عنهمْ كلَّ مكروهٍ ، ويدفعُ عنهم – بسببِ إيمانِهم – كلَّ شرٍّ منْ شرورِ الكفارِ ، وشرورِ وسوسةِ الشيطانِ ، وشرورِ أنفسِهم ، وسيئاتِ أعمالِهم ، ويحملُ عنهمْ عند نزولِ المكارهِ ما لا يتحملونه ، فيُخفِّف عنهمْ غاية التخفيفِ ، كلُّ مؤمنٍ له منْ هذه المدافعةِ والفضيلةِ بحسب إيمانِه ، فمُستقلٌّ ومُستكثِرٌ » .
« منْ ثمراتِ الإيمانِ أنه يُسلِّى العبدُ به عند المصائبِ ، وتُهوَّن عليه الشدائدُ والنَّوائبُ ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ وهو العبدُ الذي تصيبُه المصيبةُ ، فيعلمُ أنها منْ عندِ اللهِ ، وأنَّ ما أصابه لم يكُنْ ليُخطئه ، وما أخطأهُ لم يكُنْ ليُصيبه ، فيرضى ويُسَلِّمُ للأقدارِ المؤلمِة ، وتهونُ عليه المصائبُ المزعجةُ ، لصدورِها منْ عندِ اللهِ ، ولإيصالِها إلى ثوابِهِ » .
************************************
كيف كانُوا يعيشُ

تعال إلى يومٍ منْ أيام أحدِ الصحابةِ الأخبارِ ، وعظمائِهم الأبرارِ ، عليِّ بن أبي طالبٍ مع ابنهِ رسولِ اللهِ  ، مع فلذةِ كبدِهِ ، بصحُو عليٌّ في الصباحِ الباكرِ ، فيبحثُ هو وفاطمةُ عن شيءٍ منْ طعامٍ فلا يجدانِ ، فيرتدي فرواً على جسمِهِ منْ شدَّةِ البردِ ويخرجُ ، ويتلمَّسُ ويذهبُ في أطرافِ المدينةِ ، ويتذكرُ يهوديّاً عنده مزرعةٌ ، فيقتحمُ عليٌّ عليه باب المزرعةِ الضَّيِّقِ الصغيرِ ويدخلُ ، ويقولُ اليهوديُّ : يا أعرابيُّ ، تعالى وأخرِج كلَّ غَرْبٍ بتمرةٍ . والغربُ هو الدلوُ الكبيرُ ، وإخراجُه ، أيْ : إظهارُه من البئرِ مُعاوَنَةً مع الجملِ . فيشتغلُ عليٌّ – رضي اللهُ عنهُ – معهُ برهةً من الزمنِ ، حتى ترِم يداه ويكلُّ جسمُه ، فيُعطيهِ بعددِ الغروبِ تمراتٍ ، ويذهبُ بها ويمرُّ برسولِ اللهِ  ويُعطيه منها ، ويبقى هو وفاطمةُ يأكلان مِنْ هذا التمرِ القليلِ طيلة النهارِ .
هذهِ هي حياتهم ، لكنَّهم يشعرون أنَّ بيتهُمْ قد امتلأ سعادةً وحبوراً ونوراً وسروراً .
إنَّ قلوبهم تعيشُ المبادئ الحقَّةَ التي بُعثَ بها الرسولُ  ، والمُثُل السامية ، فهمْ في
أعمالٍ قلبيَّةٍ ، وفي روحانيَّة قُدسيَّةٍ يُبصرون بها الحقَّ ، ويُنصرون بها الباطل ، فيعملون لذاك ويجتنبون هذا ، ويُدركون قيمة الشيءِ وحقيقة الأمرِ ، وسرَّ المسألةِ .
أين سعادةُ قارون ، وسرورُ وفرحُ وسكينةُ هامان ؟! فالأولُ مدفونٌ ، والثاني ملعون ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ﴾ .
السعادةُ عند بلالِ وسلمان وعمّارٍ ، لأنَّ بلالاً أذَّن للحقِّ ، وسلمان آخى على الصِّدقِ ، وعمّاراً وفّى الميثاق ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾ .
******************************************
أقوالُ الحكماءِ في الصَّبْرِ

يُحكى عنْ أنوشروان أنهُ قال : جميعُ المكارِهِ في الدنيا تنقسمُ على ضربين : فضربٌ فيه حِيلةٌ ، فالاضطرابُ دواؤه ، وضربٌ لا حيلة فيه ، فالاصطبارُ شفاؤُهُ .
كان بعضُ الحكماءِ يقولُ : الحِيلةُ فيما لا حيلة فيه ، الصبرُ .
وكان يقالُ : منِ اتَّبع الصبر ، اتَّبعَهُ النصرُ .
ومن الأمثالِ السائرة ، الصبرُ مفتاحُ الفَرَجِ منْ صَبَرَ قَدَرَ ، ثمرةُ الصبرِ الظَّفرُ ، عند اشتدادِ البلاءِ يأتي الرَّخاءُ .
وكان يقالُ : خفِ المضارَّ منْ خللِ المسارِّ ، وارجُ النفْع منْ موضعِ المنْعِ ، واحرصْ على الحياةِ بطلبِ الموتِ ، فكمْ منْ بقاءٍ سببُه استدعاءُ الفناءِ ، ومنْ فناءٍ سببُه البقاءِ ، وأكثرُ ما يأتي الأمنُ منْ قِبل الفزعِ .
والعربُ تقولُ : إنَّ في الشرَّ خِياراً .
قال الأصمعيَّ : معناهُ : أنَّ بعض الشَّرِّ أهونُ منْ بعْضٍ .
وقال أبو عبيدة : معناهُ : إذا أصابتْك مصيبةٌ ، فاعلمْ أنهُ قدْ يكونُ أجلُّ منها ، فلتهُنْ عليك مصيبتُك .
قال بعضُ الحكماءِ : عواقبُ الأمورِ تتشابهُ في الغيوب ، فرُبَّ محبوبٍ في مكروهٍ ، ومكروهٍ في محبوبٍ ، وكمْ مغبوطٍ بنعمةٍ هي داؤُه ، ومرحومٍ من داءٍ هو شفاؤُه .
وكان يُقالُ : رُبَّ خيرٍ منْ شرٍّ ، ونفعٍ منْ ضرٍّ .
وقال وداعةُ السهميُّ ، في كلامٍ له : اصبرْ على الشَّرِّ إنْ قَدَحَك ، فربَّما أجْلى عما يُفرحُك ، وتحت الرَّغوةِ اللبنُ الصَّريحُ .
يأتي اللهُ بالفرحِ عند انقطاعِ الأملِ : ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ ، ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
يقولُ بعضُ الكُتّابِ : وكما أنَّ الله – جلَّ وعلا – يأتي بالمحبوبِ من الوجهِ الذي قدَّرّ ورودّ المكروهِ منه، ويفتحُ بفرج عند انقطاعِ الأملِ، واستبهامِ وجوهِ الحِيل، ليحُضَّ سائر خلْقه بما يريدهم من تمام قدرته ، على صرف الرجاء إليهِ ، وإخلاصِ آمالِهم في التَّوكُّلِ عليه ، وأنْ لا يَزْوُوا وجوههُم في وقتٍ من الأوقاتِ عنْ توقُّعِ الرَّوْحِ منه ، فلا يعدلُوا بآمالِهم على أيِّ حالٍ من الحالاتِ ، عنِ انتظارِ فرجٍ يصدُر عنه ، وكذلك أيضاً يسرُّهم فيما ساءهم ، بأنْ كفاهم بمحنةٍ يسيرةٍ، ما هو أعظمُ منها، وافتداهُمْ بمُلِمَّةٍ سهلةٍ ، ممَّ كان أنكى فيهمْ لو لحِقهُمْ.
لعلَّ عتْبك محمودٌ عواقبُهُ
فربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعِللِ

قال إسحاقُ العابدُ : ربما امتحنَ اللهُ العبْدَ بمحنةٍ يخلِّصُه بها من الهلكةِ ، فتكون تلك المحنةُ أجلَّ نعمةٍ .
يقالُ : إنَّ منِ احتمل المحنة ، ورضي بتدبيرِ اللهِ تعالى في النكْبةِ ، وصبر على الشِّدَّةِ ، كشف له عنْ منفعتِها ، حتى يقف على المستورِ عنه منْ مصلحتِها .
حُكي عن بعضِ النصارى أنَّ بعض الأنبياءِ عليهمُ السلامُ قال : المِحنُ تأديبٌ من اللهِ ، والأدبُ لا يدومُ ، فطوبى لمنْ تصبَّر على التأديبِ ، وتثبَّت عند المحنةِ ، فيجبُ له لُبسُ إكليِلِ الغَلَبَةِ ، وتاجِ الفلاحِ ، الذي وعَدَ اللهُ به مُحِبِّيه ، وأهلِ طاعتِهِ .
قال إسحاقُ : احذرِ الضَّجَرَ ، إذا أصابتْك أسِنَّةُ المحنِ ، وأعراضُ الفِتنِ ، فإنَّ الطريق المؤدِّي إلى النجاةِ صعْبُ المسْلكِ .
قال بزرجمهرُ : انتظارُ الفَرَجِ بالصبرِ ، يُعقبُ الاغتباط .
******************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 12:07

حُسْنُ الظَّنِّ باللهِ لا يخيبُ
(( أنا عند ظنِّ عبدي بي ، فليظنَّ بي ما شاء )) .
لبعضِ الكُتّابِ : إنَّ الرجاء مادَّةُ الصبرِ ، والمُعينُ عليه . فكذلك عِلَّةُ الرجاءِ ومادَّتهُ ، حُسْنُ الظَّنِّ باللهِ ، الذي لا يجوزُ أن يخيب ، فإنَّا قد نستقري الكرماء ، فنجدُهم يرفعون منْ أحسن ظنَّهُ بهمْ ، ويتحوَّبُون منْ تخيّب أملُه فيهمْ ، ويتحرَّ جون مِنْ قصدَهم ، فكيف بأكرمِ الأكرمين ، الذي لا يعوزُه أنْ يمنح مؤمِّليه ، ما يزيدُ على أمانيِّهم فيه .
وأعدلُ الشواهدِ بمحبَّةِ الله جلَّ ذِكْرُه ، لتمسُّكِ عبدِه برحابهِ ، وانتظارُ الرَّوحِ منْ ظلِّهِ ومآبِه ، أنَّ الإنسان لا يأتيه الفَرَجَ ، ولا تُدركُه النجاةُ ، إلا بعد إخفاقِ أملهِ في كلِّ ما كان يتوجِّه نحوه بأملِه ورغبتِه ، وعند انغلاقِ مطالبِهِ ، وعَجْزِ حيلتِه ، وتناهي ضَرِّهِ ومحنتِه ، ليكون ذلك باعثاً له على صَرْفِ رجائِهِ أبداً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، وزاجراً له على تجاوز حُسْنِ ظنِّه به ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
**************************************

يُدركُ الصَّبُورُ أحْمَدَ الأمورِ

رُوِي عنْ عبدِالله بنِ مسعودٍ : الفَرَجُ والروحُ في اليقيِن والرضا ، والهمُّ والحزنُ في الشَّكِّ والسخطِ .
وكان يقولُ : الصَّبُورُ ، يُدركُ أحْمد الأمورِ .
قال أبانُ بنُ تغلب : سمعتُ أعربيّاً يقولُ : منْ أفْضلِ آداب الرجالِ أنهُ إذا نزلتْ بأحدِهمْ جائحةٌ استعمل الصبر عليها ، وألهم نفْسه الرجاء لزوالِها ، حتى كأنه لصبرِه يعاينُ الخلاص منها والعناء ، توكُّلاً على اللهِ عزَّ وجلَّ ، وحُسْنِ ظنٍّ به ، فمتى لزِم هذه الصفة ، لم يلبثْ أن يقضي اللهُ حاجته ، ويُزيل كُربيه ، ويُنجح طِلْبتهُ ، ومعهُ دينُه وعِرضُه ومروءتُه .
روى الأصمعيُّ عنْ أعرابيٍّ أنه قال : خفِ الشَّرّ منْ موضعِ الخيْرِ ، وارجُ الخيْرَ منْ موضعِ الشَّرِّ ، فرُبَّ حياةٍ سببُها طلبُ الموتِ ، وموتٍ سببُه طلبُ الحياةِ ، وأكْثَرُ ما يأتي الأمنُ من ناحيِة الخوْفِ .
وإذا العنايةُ لاحظتْك عيونُها
نَمْ فالحوادِثُ كلُّهُنَّ أمانُ

وقال قطريُّ بنُ الفجاءةِ :
لا يَرْكَنَنْ أحدٌ إلى الإحجامِ

يوم الوغى مُتَخَوِّفاً لحمِامِ

فلقدْ أراني للرِّماحِ دريئة


من عن يميني مرَّةً وأمامي

حتى خضبتُ بما تحدَّر مِن دمي


أحناء سرْجي أو عنان لجامي

ثم انصرفتُ وقدْ أصبتُ ولم أُصبْ

جذع البصيرةِ قارِح الإقدامِ

وقال بعضُ الحكماءِ : العاقلُ يتعزَّى فيما نزل به منْ مكروهٍ بأمرينِ :
أحدهما : السرورُ بما بقي له .
والآخر : رجاءُ الفَرَجِ مما نَزَلَهُ به .
والجاهل يجزعُ في محنتِهِ بأمرينِ :
أحدهما : استكثارُ ما أوى إليه .
والآخر : تخوُّفُه ما هو أشدُّ منهُ .
وكان يقالُ : المِحنُ آدابُ اللهِ عزَّ وجلَّ لخلقِهِ ، وتأديبُ اللهِ يفتحً القلوب والأسماع والأبصار .
ووصف الحّسَنُ بنُ سَهْلٍ المِحن فقال : فيها تمحيصٌ من الذنبِ ، وتنبيهٌ من الغفلةِ ، وتعرُّضٌ للثوابِ بالصبرِ ، وتذكيرٌ بالنعمةِ ، واستدعاءٌ للمثوبةِ ، وفي نظرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وقضائِهِ الخيارُ .
فهذا من أحبَّ الموت ، طلباً لحياةِ الذِّكْرِ . ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
أقوالٌ في تهوينِ المصائبِ :
قال بعضُ عقلاءِ التُّجَّارِ : ما أصْغرَ المصيبة بالأرباحِ ، إذا عادتْ بسلامةِ الأرواحِ .
وكان منْ قولِ العربِ : إنّ تسْلمِ الجِلَّةُ فالسَّخْلةُ هَدَرٌ .
ومنْ كلامِهم : لا تيأسْ أرضٌ من عمرانٍ ، وإن جفاها الزمانُ .
والعامَّة تقول : نهرٌ جرى فيه الماءُ لابدَّ أن يعود إليه .
وقال ثامسطيوس : لم يتفاضلْ أهلُ العقولِ والدِّينِ إلا في استعمالِ الفضْلِ في حالِ القُدرةِ والنعمةِ ، وابتذالِ الصبرِ في حالِ الشِّدَّةِ والمحنةِ .
***************************************
وقفــــةٌ

﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ .
ولهذا يوجدُ عند المؤمنين الصادقين حين تصيبُهم النَّوازلُ والقلاقِلُ والابتلاءُ مِن الصبرِ والثباتِ والطُّمأنينِة والسكُّونِ والقيامِ بحقِّ اللهِ مالا يوجدُ عُشْرُ مِعْشارِهِ عند من ليس كذلك ، وذلك لقوَّةِ الإيمانِ واليقينِ .
عن معقلِ بن يسارٍ رضي اللهُ عنه قال : قال رسولُ اللهِ  : (( يقولُ ربُّكم تبارك وتعالى : يا بن آدم ، تفرَّغْ لعبادتي ، أملأ قلبك غنى ، وأملأ يديْك رزِقاً . يا بن آدم ، لا تباعدْ مني ، فأملأْ قلبك فقراً ، وأملأْ يديك شُغلاً )) .
« الإقبالُ على اللهِ تعالى ، والإنابةُ إليه ، والرِّضا بهِ وعنهُ ، وامتلاءُ القلبِ من محبَّتِه ، واللَّهجُ بذكْرِهِ ، والفرحُ والسرورُ بمعرفتِه ثوابٌ عاجِل ، وجنَّةٌ ، وعيشٌ ، لا نسبة لعيشِ الملوكِ إليه ألبتَّةَ » .
****************************************
لا تحزنْ إنْ قلَّ مالُك أو رثَّ حالُك
فقيِمتُك شيءٌ آخرُ

قال عليٌّ رضي اللهُ عنهُ : قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُ .
فقيمةُ العالمِ عِلْمُهُ قلَّ منهُ أو كُثرَ ، وقيمةُ الشاعرِ شعرُه أحسن فيهِ أو أساء . وكلُّ صاحبِ موهبةٍ أو حرفةٍ إنما قيمتُه عند البشرِ تلك الموهبةُ أو تلك الحرفةُ ليس إلا ، فليحرصِ العبدُ على أنْ يرفع قيمتهُ ، ويُغلي ثمنه بعملِهِ الصالحِ ، وبعلْمِه وحكمتِه ، وجُودِهِ وحفْظِهِ ، ونبوغِه واطِّلاعِه ، ومُثابرتِه وبحْثِهِ ، وسؤالِه وحِرْصِهِ على الفائدةِ ، وتثقيفِ عقْلِهِ وصقْلِ ذهنهِ ، وإشعالِ الطموحِ في رُوحِهِ ، والنُّبلِ في نفسِهِ ، لتكون قيمتُه غاليةً عاليةً .
*************************************
لا تحزنْ ، واعلمْ أنك بوساطةِ الكُتُبِ
يمكنُ أن تُنمِّي مواهبك وقدراتِك

مطالعةُ الكتبِ تُفتِّقُ الذِّهن ، وتهدي العِبر والعظاتِ ، وتمدُّ المطَّلعِ بمددٍ من الحِكم ، وتُطلقُ اللسان ، وتُنمِّي مَلَكةَ التفكيرِ ، وترسِّخُ الحقائق ، وتطردُ الشُّبَهَ ، وهي سلوةٌ للمتفرِّدِ ، ومناجاةٌ للخاطر ، ومحادثةٌ للسامرِ ، ومتعةٌ للمتأمِّلِ ، وسراجٌ للسَّاري ، وكلَّما كٌرِّرتِ المعلومُةٌ وضُبطتْ ، ومُحِّصتْ ، أثمرتْ وأينعتْ وحان قِطافُها ، واستوتْ على سوقِها ، وآتت أُكُلها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ، وبلغ الكتابُ بها أجَلَهُ ، والنبأُ مستقرَّهُ .
وهجْرُ المطالعةِ ، وترْكُ النظرِ في الكتبِ والانفرادُ بها ، حُبْسهٌ في اللسانِ ، وحَصْرٌ للطَّبعِ ، وركودٌ للخاطرِ ، وفتورٌ للعقلِ ، وموتٌ للطبيعةِ ، وذبولٌ في رصيدِ المعرفةِ ، وجفافٌ للفكرِ ، وما منْ كتابٍ إلا وفيهِ فائدةٌ أو مَثَلٌ ، أو طُرفةٌ أو حكايةٌ ، أو خاطرةٌ أو نادرةٌ .
هذا وفوائدُ القراءةِ فوق الحَصْرِ ، ونعوذُ باللهِ منْ موتِ الهِممِ وخِسَّةِ العزيمةِ ، وبرودِ الرُّمحِ ، فإنها منْ أعظمِ المصائبِ .
****************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 12:08

لا تحزنْ ، واقرأْ عجائب خلقِ اللهِ في الكونِ

وطالِعْ غرائب صُنعِهِ في المعمورةِ ، تجدِ العَجَبَ العُجابَ ، وتقضي على همومِك وغمومِك ، فإنَّ النَّفْس مُولعةٌ بالطَّريفِ الغريبِ .
رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ ، عنْ جابرِ بن عبدِاللهِ رضي اللهُ عنه ، قال : بَعَثَنا رسولُ اللهِ  ، وأمَّر علينا أبا عبيدة ، نتلقَّى عِيراً لقريشٍ ، وزوَّدنا جِراباً منْ تمرٍ لمْ يجِدْ لنا غَيْرَه ، فكان أبو عبيدة يُطينا تمرةً تمرةً .
قال – الراوي عنْ جابرٍ - : فقلتُ : كيف كنتُمْ تصنعون بها ؟ قال : نمصُّها كما يمُصُّ الصَّبيُّ ، ثمَّ نشربُ عليها من الماءِ ، فتكفينا يومنا إلى الليلِ ، وكنَّا نضربُ بِعصيِّنا الخَبَطَ – أي ورق الشجرِ – ثم نبُلُّه فنأكُلَهُ .
قال : وانطلْقْنا على ساحلِ البحرِ فإذا شيءٌ كهيئةِ الكثيبِ الضخمِ – أي كصورةِ التَّلَّ الكبيرِ المستطيلِ المُحْدَوْدبِ من الرملِ – فأتيناهُ ، فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنْبَرَ . قال : قالَ أبو عبيدة : ميْتةٌ . ثم قال : لا بلْ نحنُ رُسُلُ رسول الله  ، وفي سبيلِ اللهِ ، وقدْ اضطُررْتُم فكُلُوا . قال : فأقمْنا عليه شهراً ونحنُ ثلاثمائة حتى سمِنَّا . قال : ولقدْ رأيتُنا نغترفُ منْ وَقْبِ عينِه – أي منْ داخلِ عينِه – ونفرقُها بالقلالِ – أي بالجرارِ الكبيرةِ – الدُّهْنَ ، ونقتطعُ منه الفِدر – أيْ القِطع – كالثورِ أو قدْرِ الثورِ . فلقدْ أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشرَ رجلاً ، فأقعدهم في وقبِ عينِهِ ، وأخذ ضلعاً منْ أضلاعِهِ فأقامها ، ثمَّ رحَّل أعظم بعيرٍ ، ونظر إلى أطولِ رجُلٍ فحملهُ عليهِ ، فمرَّ منْ تحتِها .
وتزوَّدْنا منْ لحْمِه وشائِق ، فلمَّا قدمْنا المدينة ، أتينا رسول اللهِ  ، فذكرنا له ذلك ، فقال : (( هو رزقٌ أخرجه اللهُ لكمْ ، فهل معكمْ منْ لحمِهِ شيءٌ فتُطعمونا ؟ )) ، قال : فأرسلْنا إلى رسولِ اللهِ  ، فأكل منه .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
البذرةُ إذا وُضِعتْ في الأرضِ لا تنبتُ حتى تهتزَّ الأرضُ هِزَّةً خفيفةً ، تُسجَّلُ بجهاز رِخْتَرَ ، فتفقسُ البذرةُ وتنبتُ : ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
قال أبو داود في كتابهِ ( السنن) في بابِ زكاةِ الزرعِ : شَبَرْتُ قثاءةً بمصر ثلاثة عشر شِبْراً ، ورأيتُ أُتْرُجَّةً على بعيرٍ بقطعتيْن ، قُطعتْ وصيِّرَتْ على مثْلِ عِدلْينِ .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
ذكر الدكتورُ زغلولُ النجّارُ الدارسُ للآياتِ الكونيةِ – في إحدى محاضراتِه – أنَّ هناك نجوماً انطلقتْ منْ آلافِ السنواتِ ، وهي في سرعةِ الضوءِ ، ولم تصلْ حتى الآن إلى الأرضِ ، وما بقي إلا مواقعُها ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
جاء في (جريدة الأخبارِ الجديدة) في العددِ 396 بتاريخِ 27/ 9/ 1953 م ص 2 أنه : « دخلُ صباح اليومِ ( أونا) باريس دخول الفاتحين ، يحرسُه عشراتُ منْ رجالِ البوليس ، الراكبِ والراجلِ . أمَّا ( أونا ) هذا فهو حوتٌ نرويجيٌّ ضخمٌ محنَّطٌ ، وزنه 80000 كيلو ، وكان محمولاً على عَشْرِ جراراتٍ مربوطةٍ بسيارةِ نقلٍ ضخمةٍ ، وسيُعرضُ الحوتُ لمدةِ شهْر ويُسمحُ للناسِ بدخولِ كرشِهِ المضاءِ بالكهرباءِ ، ويستطيعُ عشرةُ أشخاص أنْ يدخلوا بطنَه مرَّةً واحدةً .
لكنَّ المشرفين على معرضِ ( أونا ) وبوليس المدينةِ ، لم يتفقا على المكانِ الذي يوضعُ فيه الحوتُ ، وهمْ يخشون وضْعَهُ فوق محطةِ القطارِ الأرضيِّ خشيةَ أنْ ينهار الشارعُ .
وبرغمِ أنَّ سِنَّ هذا الحوتِ لا يزيدُ على 18 شهراً ، فإنَّ طوله 20 متراً ، وقد صيد في شهرِ سبتمبر من العامِ الماضي في مياهِ النرويج ، وقدْ صُنِعتْ لهُ عربةُ قطارٍ خاصَّةٌ ، لنقْلِه في جولةٍ عَبْرَ أوربا ، ولكنَّها انهارتْ تحته ، فصنُعتْ له سيارةُ جرٍّ ، طولها 30 متراً » .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
النملةُ تدَّخِرُ قُوتها من الصيفِ للشتاءِ ؛ لأنَّها لا تخرجُ في الشتاءِ ، فإذا خشيتْ أنْ تنبت الحبَّةُ ، كسرتْها نصفين ، والحيَّةُ في الصحراءِ إذا لم تجدْ طعاماً ، نصبت نفسها كالعودِ ، فيقعُ عليها الطائرُ فتأكلهُ .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
قال عبدُالرزاقِ الصنعانيُّ : سمعتُ معمر بن راشدٍ البصريَّ يقولُ : رأيتُ باليمنِ عنقود عنبٍ ، وقْرَ بَغْلٍ تامٍّ . ﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ﴾ . كلّ الأشجارِ والنباتاتِ تُسقى بماءٍ واحدٍ ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ ﴾ . وللنباتاتِ مناعةٌ خاصَّةٌ ، فمنها القويَّةُ بنفسهِا ، ومنها الشوكيَّةُ التي تدافعُ بشوكِها ، ومنها الحامضةُ اللاّذِعةُ .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
قال كمالُ الدين الأُدفويُّ المِصْريُّ في كتابِه (الطالع السعيد الجامع نجباء أنباء الصعيد) : « رأيت قطف عنبٍ ، جاءتْ زنُته ثمانيةُ أرطالٍ باللّيثيِّ ، ووُزِنتْ حبَّةُ عنبٍ ، جاءتْ زنتُها عشرةُ دراهم ، وذلك بأُدفو بلدِنا » .
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
وقد ذكر علماءُ الفلكِ أنَّ الكون لا يزالُ يتَّسعُ شيئاً فشيئاً كما تتَّسع البالونةُ : ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ . وذكروا أنَّ الأرض اليابسة تنقصُ ، وأنَّ المحيطات تتَّسعُ ، ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ .

﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ :
جاء في مجلةِ ( الفيصل) عدد 62 سنة 1402 هـ ص 112 صورةٌ لثمرةِ كرنبٍ (ملفوف) وزنت 22 كيلو غراماً ، وبلغ قطرُها متراً واحداً ، وصورةٌ لبصلةٍ يابسةٍ واحدة ، وزنت 2,3 كيلو غراماً ، وبلغ قطرها 30 سم .
وذكرتِ المجلةُ عقِب ذلك ، أنَّ ثمرة بندورةٍ (طماطم) واحدةٍ بلغ محيطُها أكثر منْ 60 سم ، وأنَّ هذه الأشياء غَيْرَ العاديةِ ، نبتتْ في أرضِ المُزارِعِ المكسيكي ( جوزيه كارمن) ذي الخبرةِ الطويلةِ في الزراعةِ والعنايةِ بالأرضِ ، مما جعلَهُ المزارع الأوَّل في المكسيكِ .
**************************************
يا الله يا الله

﴿ قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ .
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ .
﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ .
﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ .
وقال عنْ آدم : ﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ .
ونوحٍ : ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ .
وإبراهيم : ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
ويعقوب : ﴿ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ .
ويوسف : ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ .
وداود : ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ .
وأيوب : ﴿ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ .
ويونس : ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾ .
وموسى : ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ﴾ .
ومحمد : ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ ﴾ ، ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾ .
﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ :
قال بعضُهم : يغفرُ ذنباً ، ويكشفُ كرْباً ، ويرفع أقواماً ، ويضعُ آخرين .
اشْتدِّي أزمةُ تنْفرِجي
قد آذن صُبْحُكِ بالبَلَجِ

سحابة ثمَّ تنقشع : ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾
*********************************************
لا تحزنْ ، فإنَّ الأيام دُوَلٌ

سَجَنَ ابنُ الزبير محمد بن الحنفيَّةِ في سجنِ (عارمٍ) بمكة ، فقال كُثِّر عزة :
وما رونقُ الدُّنيا بباقٍ لأهلها

وما شدَّةُ الدُّنيا بضرْبةِ لازِمِ

لهذا وهذا مُدَّةٌ سوف تنقضي

ويُصبِحُ ما لاقيتُهُ حلم حالكِ

وتأمَّلتُ بعد هذا الحدث بقرونٍ، فإذا ابنُ الزبيرِ وابنُ الحنفية وسِجْنُ عارمِ كحلمِ حالمٍ: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ .
مات الظالمُ والمظلومُ والحابسُ والمحبوسُ .
كلُّ بطَّاحٍ مِن الناسِ له يومٌ بطوحٌ .
***************************************
﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾

وفي الحديثِ : (( لتُؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلهِا حتى يُقاد للشاةِ الجلْحاءِ من القرْناءِ ))
مثِّلْ أنفْسِك أيُّها المغرورُ

يوم القيامةِ والسَّماءُ تمورُ

هذا بلا ذنبٍ يخافُ لِهوْلِهِ

كيف الذي مرَّتْ عليهِ دُهُوُرُ

***********************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حمد النيل
مشرف المنتدى الإسلامي
مشرف المنتدى الإسلامي
حمد النيل


ذكر عدد الرسائل : 224
الموقع : hmadneel@yahoo.com
المدير العام : 0
تاريخ التسجيل : 15/04/2008

كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Empty
مُساهمةموضوع: رد: كتـاب لاتحزن   كتـاب لاتحزن - صفحة 2 Icon_minitimeالجمعة أبريل 18 2008, 12:09

لا تحزنْ ، فيُسرَّ عدوُّك

إنَّ حزنك يُفْرحُ خصمك ، ولذلك كان منْ أصولِ الملَّةِ إرغامُ أعدائِها : ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .
وقولُه  لأبي دُجانة ، وهو يخطرُ في الصفوفِ متبختراً في أُحًد : ((إنها لمشيةٌ يبغضُها اللهُ إلا في هذا الموطنِ )) . وأمر أصحابهُ بالرَّمل حَوْلَ البيتِ ، ليُظهروا قوتهم للمشركين .
إنَّ أعداء الحقِّ وخصوم الفضيلةِ سوف يتقطَّعون حسرةً إذا علمُوا بسعاتِنا وفرحِنا وسرورِنا ، ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ ، ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ ،﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ .
رُبَّ منْ أنضجتُ يوماً قلْبهُ
قد تمنَّى لي شراً لم يُطعْ

وقال آخر :
وتجلُّدي للشَّامتين أُريِهمُ
أنِّي لريْبِ الدَّهرِ لا أتضعْضعُ

وفي الحديثِ : (( اللهمّ لا تُشمِتْ بي عدُواً ولا حاسِداً )) .
وفيه : (( ونعوذُ بك منْ شماتِةِ الأعداءِ )) .
كُلُّ المصائبِ قد تمُرُّ على الفتى
وتهونُ غير شماتةِ الأعداءِ

وكانوا يتبسَّمون في الحوادِثِ ، ويصبرون للمصائبِ ، ويتجلَّدُون للخطوبِ ، لإرغامِ أُنُوفِ الشّامِتِين ، وإدخالِ الغيْظ في قلوبِ الحاسدين : ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ ﴾ .
**********************************
تفاؤلٌ وتشاؤمٌ

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ{124} وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
كثيرٌ من الأخيارِ تفاءلوا بالأمرِ الشّاقِّ العسير ، ورأوْا في ذلك خيْراً على المنهجٍ الحقِّ : ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ .
فهذا أبو الدرداءِ يقولُ : أُحبُّ ثلاثاً يكرهُها الناسُ : أحبُّ الفَقْرَ والمرَضَ والموْتَ ، لأنَّ الفقرَ مسكنةٌ ، والمرضَ كفَّرةٌ ، والموت لقاءٌ باللهِ عزَّ وجلَّ .
ولكنَّ الآخرَ يكرهُ الفقر ويذُمُّه ، ويُخبرُ أنَّ الكلاب حتى هي تكرهُ الفقير :
إذا رأتْ يوماً فقيراً مُعدماً
هرَّتْ عليهِ وكشرَّتْ أنيابها

والحُمَّى رحَّب بها بعضُهم فقال :
زارتْ مكفِّرةُ الذنوبِ سريعةً

فسألتُها باللهِ أن لا تُقْلِعِي


لكنّ المتنبي يقولُ عنها :
بذلتُ لها المطارف والحشايا
فعافتْها وباتتْ في عِظامي

وقال يوسُفُ عليهِ السلامُ عنِ السجنِ : ﴿ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ .
وعليُّ بنُ الجهم يقولُ عنِ الحبْسِ أيضاً :
قالوا حُبِسْت فقلتُ ليس بضائري
حبسْي وأيُّ مهنَّدٍ لا يُغْمدُ

ولكنّ عليَّ بن محمدٍ الكاتب يقولُ :
قالوا حُبست فقلتُ خطْبٌ نكِدٌ
أنْحى عليَّ به الزمانُ المُرْصدُ

والموتُ أحبَّه كثيرٌ ورحَّبوا بهِ ، فمعاذٌ يقولُ : مرحباً بالموتِ ، حبيبٌ جاء على فاقةٍ ، أفلح منْ ندم .
ويقولُ في ذلك الحُصيُن بنُ الحمامِ :
تأخَّرتُ أستبقي الحياة فلمْ أجِدْ
لنفسي حياةً مثْل أن أتقدَّمَا

ويقولُ الآخرُ : لا بأس بالموتِ إذا الموتُ نزلْ .
ولكنَّ الآخرين تذمَّرُوا من الموتِ وسبُّوه وفرُّوا منهُ .
فاليهودُ أحرصُ الناسِ على حياةٍ ، قال سبحانه وتعالى عنهمْ : ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾ .
وقال بعضُهم :
ومالي بعد هذا العيشِ عيشٌ
ومالي بعد هذا الرأسِ رأسُ

والقتلُ في سبيل اللهِ أمنيةٌ عذْبةٌ عند الأبرارِ الشرفاءِ : ﴿ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ﴾ .
وابنُ رواحة ينشدُ :
لكنَّني أسألُ الرحمنَ مغفرةً
وطعنةً ذات فزعٍ تقذِفُ الزَّبدا

ويقولُ ابنُ الطِّرِمَّاح :
أيا ربَّ لا تجعلْ وفاتِي إنْ أتتْ

على شرْجَعَ يعلو بحُسْنِ المطارِفِ

ولكنْ شهيداً ثاوياً في عصابةٍ

يُصابون في فجٍّ مِن الأرض خائفِ

غير أنَّ بعضهمْ كرِه القتْلَ وفرَّ منه ، يقولُ جميلُ بثينة :
يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍ
وأيُّ جهادٍ غيرهُنَّ أُريدُ

وقال الأعرابيُّ : واللهِ إني أكرهُ الموت على فراشي ، فكيف أطلبُه في الثغورِ ﴿ قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ . إنَّ الوقائع واحدةٌ لكنَّ النفوس هي التي تختلفُ .
***********************************
أيُّها الإنسان

أيُّها الإنسانُ : يا منْ ملَّ من الحياةِ ، وسئِم العيش ، وضاق ذرعاً بالأيامِ وذاق الغُصص ، أنَّ هناك فتحاً مبيناً ، ونصراً قريباً ، وفرجاً بعد شدَّة ، ويُسراً بعد عُسْرٍ .
إنَّ هناك لُطفاً خفيّاً منْ بينِ يديْك ومنْ خلقِك ، وإنَّ هناك أملاً مشرقاً ، ومستقبلاً حافلاً ، ووعداً صادقاً ، ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ . إن لضِيقِك فُرْجةً وكشْفاً ، ولمصيبتِك زوالٌ ، وإن هناك أنساً وروحاً وندىً وطلاً وظلاً . ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ .
أيُّها الإنسانُ : آنَ أنْ تُداوي شكَّك باليقينِ ، والتواء ضميرِك بالحقِّ ، وعِوج الأفكارِ بالهُدى ، واضطراب المسيرةِ بالرُّشدِ .
آن أنْ تقشع عنك غياهب الظلامِ بوجْهِ الفجرِ الصادقِ ، ومرارةِ الأسى بحلاوةِ الرَّضا ، وحنادسِ الفِتن بنورٍ يلقفُ ما يأفكُون .
أيُّها الإنسانُ: إنَّ وراء بيدائِكمْ القاحلِةِ أرضاً مطمئنَّةً، يأتيها رزقُها رَغَداً منْ كلِّ مكانٍ
وإنَّ على رأسِ جبلٍ المشقَّة والضَّنى والإجهاد ، جنَّةً أصابها وابلٌ ، فهي مُمرعةً ، فإنْ لم يصبْها وابلٌ فطلٌّ من البُشرى والفألِ الحسنِ ، والأملِ المنشودِ .
يا منْ أصابه الأرقُ ، وصرخ في وجهِ الليلِ : ألا أيُّها الليل الطويلُ ألا انْجلِ ، أبشِرْ بالصبحِ ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ . صبحٌ يملؤُك نوراً وحبوراً وسروراً .
يا منْ أذهب لُبَّه الهمُّ : رُويْدك ، فإنَّ منْ أُفُقِ الغيبِ فَرَجاً ، ولك منْ السُّننِ الثابتِة الصادقِة فُسْحةً .
يا منْ ملأت عينك بالدمعِ : كفْكِفْ دموعك ، وأرِحْ مُقلتيْك ، اهدأْ فإنَّ لك منْ خالقِ الوجودِ ولايةً ، وعليك منْ لطفهِ رعايةً ، اطمئنَّ أيُّها العبدُ ، فقدْ فُرغ من القضاءِ ، ووقع الاختيارُ ، وحَصَلَ اللُّطفُ ، وذهب ظمأُ المشقَّةِ ، وابتلَّتْ عروقُ الجهدِ ، وثبت الأجرُ عند منْ لا يخيبُ لديهِ السعْيُ .
اطمئنَّ : فإنك تتعاملُ مع غالبٍ على أمرِهِ ، لطيفٍ بعبادِه ، رحيمٍ بخْلقِهِ ، حسنِ الصُّنعِ في تدبيرِهِ .
اطمئنَّ : فإنَّ العواقب حسنةٌ ، والنتائج مريحةٌ ، والخاتمة كريمةٌ .
بعد الفقرِ غِنَّى ، وبعد الظَّمأ رِيٌّ ، وبعد الفراقِ اجتماعٌ ، وبعد الهجْر وَصْلٌ ، وبعد الانقطاعِ اتِّصالٌ ، وبعد السُّهادِ نومٌ هادئٌ ، ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ .
لمعتْ نارُهُم وقْد عسْعَسَ الليـ

ـلُ وملَّ الحادي وحار الدَّلِيلُ

فتأمَّلتُها وفِكْري من البيْـ


ـنِ عليلٌ وطرْفُ عيني كلِيلُ

وفؤادي ذاك الفؤادُ المعنَّى


وغرامي ذاك الغرامُ الدَّخِيلُ

وسألْنا عن الوكيلِ المرجَّى


للمُلِمَّاتِ هل إليهِ سبيلُ ؟

فوجدْناه صاحب المُلْكِ طُرّاً

أكرم المُجزِلِين فردٌ جليلُ

أيُّها المعذَّبُون في الأرضِ ، بالجوعِ والضَّنْكِ والضَّنى والألمِ والفقْرِ والمرضِ ، أبشرُوا ، فإنكم سوف تشبعون وتسعدون ، وتفرحون وتصِحُّون ، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ{33} وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴾ .
فلابُدَّ لِلَّيلِ أنْ ينجلِيْ

ولابدَّ للقيْدِ أنْ ينكسِرْ

ومنْ يتهيَّبْ صُعُود الجبالِ

يعِشْ أبد الدَّهْرِ بين الحُفرْ

وحقٌّ على العبدِ أن يظُنَّ بربِّه خيراً ، وان ينتظر منهُ فضلاً ، وأنْ يرجُو من مولاهُ لُطفاً ، فإنَّ منْ أمرُه في كلمةِ ( كُن) ، جديرٌ أنْ يُوثق بموعودِهِ ، وأنْ يُتعلَّقَ بعهودِهِ ، فلا يجلبُ النفع إلا هو ، ولا يدفع الضُّرَّ إلا هو ، ولهُ في كلِّ نفسٍ لُطفٌ ، وفي كلِّ حركةٍ حكمةٌ ، وفي كلِّ ساعةٍ فَرَجٌ ، جعل بعدَ الليلِ صُبحاً ، وبعد القحْطِ غَيْثاً ، يُعطي ليُشْكر ، ويبتلي ليعلم من يصْبِرُ ، يمنحُ النَّعْماء ليسمع الثَّناء ، ويُسلِّطُ البلاء ليُرفع إليه الدُّعاءُ ، فحريٌّ بالعبدِ أن يقوِّي معه الاتِّصال ، ويُمدَّ إليه الحبال ، ويُكِثرُ السؤال ﴿ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ .
لو لمْ تُرِدْ نيْل ما أرجو وأطْلُبُهُ
مِن جُودِ كفِّك ما علَّمْتني الطَّلبا

انقطع العلاءُ بنُ الحضرميِّ ببعضِ الصحابةِ في الصحراءِ ، ونفِد ماؤُهم ، وأشرفُوا على الموتِ ، فنادى العلاءُ ربَّه القريب ، وسأل إلهاً سميعاً مجيباً ، وهتف بقولِهِ : يا عليُّ يا عظيمُ ، يا حكيمُ يا حكيمُ . فنزل الغيثُ في تلك اللحظةِ ، فشربُوا وتوضؤوا ، واغتسلوا وسَقوْا دوابَّهم . ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ .
***************************************
وقفــــةٌ

« محبَّةُ اللهِ تعالى ، ومعرفُته ، ودوامُ ذِكْرِه ، والسُّكُونُ إليه ، والطمأنينةُ إليه ، وإفرادُه بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ والتَّوكُّلُ ، والمعاملةُ ، بحيثُ يكون هو وَحْدَهُ المستولي على همومِ العبدِ وعزماتِه وإرادتِه . هو جنَّةُ الدنيا ، والنعيمُ الذي لا يُشبِههُ نعيمٌ ، وهو قُرَّة عينِ المُحِبين ، وحياةُ العارفين » .
« تعلُّقُ القلبِ باللهِ وحدهُ واللَّهجُ بذِكرِهِ والقناعةُ : أسبابٌ لزوالِ الهمومِ والغمومِ ، وانشراحُ الصدرِ والحياةُ الطَّيِّبة . والضِّدُّ بالضِّدِّ ، فلا أضْيقُ صدراً ، وأكْثَرُ همّاً ، ممَّنْ تعلَّق قلبُه بغيرِ اللهِ ، ونسي ذِكْر اللهِ ، ولم يقْنَعْ بما آتاهُ اللهُ ، والتَّجرِبةُ أكبرُ شاهدٍ » .
*************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتـاب لاتحزن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتــــــــــــــــــدى الســـــــــــــــــريحة :: {{القســـم العـــام}} :: المنتدى الاسلامي-
انتقل الى: